الخصائص الايدولوجية والمؤسسية للدولة في المنطقة المغاربية (مرحلة ما قبل ربيع الاحتجاجات)

 

بقلم_عبد الله الحمزاوي باحث في الدراسات السياسية والدولية – المغرب-

استطاعت المنطقة المغاربية(الجزائر، المغرب، تونس، ليبيا، موريتانيا) بفضل المقاومة وجهود التحرير الوصول إلى بناء الدولة الحديثة، وقد تطلب ذلك مجهودات كبيرة لإنجاز هذه العملية، بحيث أصبحت الدولة تملك مرجعية إيديولوجية ساعدتها على بناء مؤسسات الحكم وتنظيم شؤون الدولة رغبة في تحقيق التنمية والنهوض بالأوضاع المختلفة وبناء ما دمره الاستعمار وغير ذلك. فما هي إذن إيديولوجية السلطة في دول المنطقة (مبحث أول) ثم ما هي أهم مؤسسات الحكم وصنع القرار داخل دول المغرب الكبير؟ (مبحث ثاني).

المبحث الأول: إيديولوجية السلطة في الدول المغاربية

يتركب لفظ إيديولوجية من عبارتين « Idéo » وتعني فكرة أو عنصر، أما “لوجيا” فتعني منطق أو علم. وحسب غرامشي فإيديولوجيا تعني علم الأفكار[1] هذا في اللغة، أما اصطلاح اللفظ فثمة اختلاف كبير ف”روشيه” يجعلها منظومة أفكار منظمة للوصف والتفسير أو لتبرير وضع جماعة، بمعنى أن المفهوم يحيل على العقيدة والقيم ثم الوظيفة، وهناك من يذهب أبعد من ذلك أمثال”ثوربون”[2] الذي يطلق المفهوم على “الأفكار والخبرة اليومية والمذاهب الفكرية”[3] إلا أن هذه التعاريف تظل تحيل على التطابق أي وصف الواقع. لذلك لابد من المستوى النقدي الذي يميز الإيديولوجيا عن بقية المفاهيم الأخرى مثل (فكر، ذهنية، دين، فلسفة…)[4] فهذا المستوى الأخير مهم في معرفة اللاتطابق وتمييزه.

وبشكل عام فإيديولوجية السلطة تعني مجموع الآراء النظرية التي بلورها المفكرون حول ثقافة سلطة معينة[5]، وتكمن أهمية دراسة إيديولوجيا السلطة في كونها تشكل حسب الفيلسوف الفرنسي “لويس التوسير” أهم أجهزة الدولة إلى جانب أجهزة القمع[6].

فما هي إذن إيديولوجية كل نظام مغاربي؟

المطلب الأول: النظام الجزائري والمغربي

نحاول التعرف على منظومة أفكار كل من النظامين الجزائري والمغربي تحديدا خلال مرحلة الاستقلال وما بعده، فما هي إيديولوجية كل نظام على حدة؟

الفقرة الأولى:النظام الجزائري:

سعت فرنسا منذ احتلالها للجزائر وتحويلها إلى مستوطنة خاضعة لنفوذها إلى فرض نموذج الدولة الفرنسية المتمثل في تأليه الدولة ومركزة السلطة[7] مما يعني أن تاريخ الاستعمار الفرنسي شكل نفيا للوطنية الجزائرية، لكن الجزائريين احتضنوا إيديولوجيا الاستعمار بشكل مضاد، وسعوا إلى محاربتها بمنطقها نفسه لإثبات وجود الدولة- الأمة في الجزائر[8] وقد بدأت معالم الإيديولوجية المضادة تتشكل منذ تأسيس مصالي الحاج[9] جمعية نجم شمال إفريقيا عام 1926م، وقد عمل هذا الكيان السياسي على الدفاع عن مسلمي الشمال الإفريقي[10]، وعبر بوضوح عن توجهاته الوطنية في مؤتمر بروكسيل لسنة 1927م، وتتجلى في طلب استقلال الجزائر وإنشاء جيش وطني مع إطلاق حرية الصحافة، وضمان الحقوق السياسية والنقابية والانتخابية، بالإضافة إلى مطالبته بإنشاء المدارس العربية[11] ونتيجة لهذه التوجهات المعادية عملت فرنسا على حضر هذا الحزب فتحول ليحمل اسما جديدا هو “الاتحاد الوطني لمسلمي شمال إفريقيا” سنة 1934م إلا أن السلطات الفرنسية قامت بحله في يناير 1937 ليعود مرات أخرى في تسميات مختلفة[12].

إلى جانب حزب نجم شمال إفريقيا لعبت جمعية العلماء[13] التي تأسست في مايو 1931م برئاسة عبد الحميد بن باديس دورا مهما في تشكل الوعي الوطني بالجزائر ممثلا في الدين واللغة والثقافة العريقة ف “الأمة الجزائرية ليست فرنسا، ولا تريد أن تصبح فرنسا ولوجنسوها”[14]، هذا على مستوى لحظة التأسيس أما لحظة ترسخ الوطنية الجزائرية فقد تجاذبتها نظرتان الأولى تبدوا معاكسة لتاريخ الجزائر وقد سعى أصحابها إلى ترسيخ فكرة الإدماج مع فرنسا عوض الاستقلال، والسبب هو إنكار أي وجود للأمة الجزائرية[15]. أما النظرة الثانية فقد برزت بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة تغير بنية القوى الوطنية بحيث أصبح الكل يجمع على استقلال الجزائر مع اختلاف السبل[16]. ففي بيان 3 فبراير 1943م اتفق الكل على ضرورة إقامة الجمهورية الجزائرية[17]. هكذا وعلى عكس الخطاب الاستعماري توصل الخطاب الرسمي إلى تأكيد عراقة الأمة الجزائرية ببعدها الحضاري والثقافي والجغرافي، بحيث تم التأريخ للدولة الجزائرية في الميثاق الوطني منذ مرحلة ما قبل الإسلام أي مع الدولة النوميدية في عهد الملك “ماصينصا” أما المرحلة الإسلامية فيتم التأريخ لها من الدولة الرستمية[18]، إلا أن معالم إيديولوجية السلطة في مرحلة الاستقلال وإن اجتمعت حول فكرة الاستقلال من قبل، فإن جبهة التحرير لم تستطع أن تطور إيديولوجية خاصة بها رغم تقاربها منهجيا مع الأحزاب الشيوعية[19]، لذلك فالجبهة بقيت السمة التي تميزها أنها ليست حزبا إيديولوجيا خالصا من النوع الغربي، ولا هي حزب طبقة بالمقاييس الماركسية، ولا هي حزبا أرستقراطيا محافظا من النوع الفاشي، وإنما هي حزب مساواتي أو ديمقراطي اجتماعي[20]، من هنا تظهر التناقضات داخل إيديولوجية الجبهة ففي دراسة للباحث الجزائري “صالح فيلالي” حول إيديولوجية الحركة الوطنية يقول “أن إيديولوجية جبهة التحرير الوطني خلال الثورة التحررية يجب أن تفهم على أنها كانت تشكل وحدة متناقضة نجحت في تجنيد الجماهير ضد الاستعمار، لكنها فشلت في بلورة مبادئ إيديولوجية متماسكة خلال الاستقلال”[21] لهذا ساد الجزائر في البدايات الأولى للاستقلال اتجاهين: اتجاه الحكومة المؤقتة لعام 1958م وأعطى الأولوية للسياسي على العسكري، واتجاه القيادة العامة للجيش الذي تصور أسبقية قيادة الأركان العامة على المنظمات السياسية[22]، ومنذ ذلك الحين ضلت العلاقة غير واضحة بين السياسي والعسكري على مستوى الواقع، وكذلك على مستوى المواثيق الوطنية ابتداء ببرنامج طرابلس في عام 1962 وحتى ميثاق 1986م[23]. بعد هذه المرحلة شهدت الجزائر تحولات صعبة تمثلت في أعمال العنف بين الإسلاميين بقيادة “الفيس” والسلطات الجزائرية، وقد انتهت هذه الأحداث بمجموعة من التغيرات أبرزها تعديل الدستور وتبني خيار التعددية السياسية. وتحقيق التيار الإسلامي لمجموعة من المكاسب في الانتخابات المحلية والتشريعية، إلا أن توقف المد الإسلامي بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد دخلت البلاد منعطفا جديدا تمثل في تشكيل مجلس أعلى للدولة يضم خليط من الساسة ورجال الجيش، ونودي على محمد بوضياف المنفي بالمغرب آنذاك ليتولى رئاسة المجلس المذكور غير أن حكم بوضياف لم يدم طويلا إذ تم اغتياله من قبل أحد حراسه ليأتي دور الأمين زروال ويستمر الجيش في الحكم، بعد ذلك أدت انتخابات الرئاسة سنة 1999م إلى وصول بوتفليقة إلى سدة الحكم[24] وعموما ضلت إيديولوجية السلطة غير ثابتة رغم تمكن الجزائر من تحقيق القطيعة بين المخزن التقليدي والدولة الجديدة[25]، مما يعني أن إيديولوجية النظام الجزائري محكمة بطابع نفعي فالدولة وإن أقرت بإسلامها دستوريا، فإنها لم تترك قيم الحداثة الغربية في شقيها الاشتراكي والليبرالي إلا أن هذا الجمع بين المشروعيات المتنازعة ليس الغرض منه سوى ضمان تفوق الجيش كآلية للسلطة والتحكم في دواليب الدولة ومؤسساتها.

 

 

 

الفقرة الثانية: النظام المغربي:

على عكس الجزائر التي ضلت تفتقد إلى وجود السلطة خلال زمن الاحتلال فإن المغرب وباعتراف سلطات الاحتلال كان له نظام سلطاني قائم الأمر الذي جعل احتلاله حماية وليس استيطان، لذلك يعتقد البعض أن النظام المغربي يمثل اتجاها سلفيا في المنطقة عكس الاتجاه الإصلاحي في تونس[26].

ويستند هذا الرأي في حجيته على استمرارية النظام المغربي في مرحلة الاحتلال والاستقلال عكس باقي النظم المغاربية الأخرى وهو ما يعني استمرار الطابع الخليفي للسلطة، إلا أن هذا الرأي لا يرقى إلى مستوى المعرفة الجيدة بإيديولوجية السلطة في المغرب، سيما وأن استمرارية النظام المغربي تحكمت فيها عوامل أخرى منها نجاح السلطة في تسخير الأساليب الحديثة لخدمة الموروث والعكس[27]، فالمخزن لم يكن مقتصرا على انتهاج أسلوب العنف وحده لضبط تماسك السلطة واستمرارها، بل لجأ إلى مرتكزات إيديولوجية ودينية وديماغوجية[28]، جعلته يعتمد مخيال سياسي يقوم بالأساس على الرمزية والعنف المادي للحفاظ على الوضع القائم[29]، فالحاكم في المغرب كما يقول الباحث الأمريكي “جون واتربوري” يجمع بين يديه مجموعة من الشرعيات التاريخية والدينية للديمومة، فهو حاكم زمني وروحي[30]، لذلك فإن إيديولوجية النظام المغربي تبدو مزدوجة الأمر الذي جعل غالبية الدراسات تقر بما سمي بالطبيعة التقليدانية للسلطة في المغرب، وتعني توظيف تكنولوجية دستورية عصرية قصد دسترة مفاهيم وممارسات موروثة عن الإسلام والماضي السياسي للمغرب[31].

هذا التحليل جعل الباحث المغربي “عبد اللطيف أكنوش” يميز بين مرحلتين في تطور إيديولوجية السلطة بالمغرب[32] الأولى تتعلق بالرؤية الدنيوية للحكم والسياسة ومعناها إسناد تدبير الشأن العام للعلمانيين وليس رجال الدين، وقد سادت هذه المرحلة خلال الفترة الممتدة بين 1956م وسنة 1970م، وفيها التزم الملكين محمد الخامس والحسن الثاني بسلوك سياسي يتحاشى ما أمكن الإحالة إلى الدين أو التقاليد السياسية الموروثة[33]،ويفسر ذلك بطغيان النموذج الحديث على الحياة السياسية من خلال إقرار التعددية، وإعمال الدسترة والانتخابات، زيادة على ذلك تميزت هذه المرحلة باستقالة العلماء من المشهد السياسي[34]، أما المرحلة الثانية فهي التي يطلق عليها بتقليدانية السلطة أي أن إيديولوجية النظام السياسي أصبحت تستعمل منظومات أفكار متعددة لتبرير الشرعية، هنا يرجع الفضل في اكتشاف هذه المرحلة إلى القضاء الإداري الذي قضى في إحدى النوازل استنادا إلى الفصل التاسع عشر من الدستور باستثناء القرارات الملكية من الطعون أمام المحاكم، نظرا لكون العاهل المغربي يمارس اختصاصاته الدستورية كأمير للمؤمنين[35]،أصبحخ فظهرت بذلك لأول مرة نظرية جديدة تجعل قرارات الملك قواعد فوق دستورية[36]، ويبرهن هذا على أن إيديولوجية السلطة تتركب من مشارب فكرية مختلفة يختلط فيها التقليدي بالحداثي، والمثالي بالواقعي، مما يعني عموما أن إيديولوجية السلطة تتكون من منظومتين الأولى تخص التدبير، وفيها يسيطر الخيار العلماني مع وجود بعض القواعد الإسلامية القليلة[37]، أما الثانية فتخص إيديولوجية التبرير وتضم كل ما يجعل سلوك السلطة مشروعا سواء كان دينيا إسلاميا أو علمانيا وغيرهما.

المطلب الثاني: بقية النظم المغاربية

نعطي ولو بشكل موجز بعض الأفكار حول إيديولوجية السلطة في بقية البلدان المغاربية ممثلة في تونس وليبيا ثم موريتانيا.

الفقرة الأولى: النظام التونسي

تمثل تونس الاتجاه الإصلاحي للسلطة في المغرب الكبير[38]، فلقد شهد التاريخ الحديث لتونس عملية تشكيل لنظام دولة لم يكن فقط عصريا على الشاكلة الأوربية، بل قادرا على تحقيق هذا الانصهار الذي طالما تأخر بين الدولة والمجتمع[39]، هكذا تحكمت مجموعة من العوامل الثقافية والسياسية والمجتمعية في تكون إيديولوجية النظام التونسي، وقد عمل مجموعة من الباحثين بإعطاء تصورات مختلفة حول مقاربة البناء الوطني للدولة التونسية فالباحث الفرنسي « Clemment Henry Moore » اعتبر مسار تطور الفعل السياسي بتونس مسار للتحول من نموذج نخبوي إلى آخر على اعتبار أن كل نموذج يحمل شكلا من الوعي مخالفا لسابقه طبقا لمقتضيات التحول الحاصل، مما يعني أن كل شكل من الوعي  يعكس شكلا من أشكال الفعل السياسي، ففي البداية تم احتواء قوى الفعل داخل الساحة السياسية التونسية، وبعد أصبحت السلطة تملك شرعية أي فاعل انطلاقا من انجازاته وتفكيره، إلا أن هذه المقاربة وصفها البعض بعدم صلتها بالواقع وتضل ذات طابع تجريدي بحث، نظرا لتطويع الواقع لها عوض تطويع النظرية لتفسير الواقع[40]، وهو ما جعل الباحث عبد الباقي الهرماسي يقارب إيديولوجية النخبة انطلاقا من تنزيل  أنماط الوعي وقراءتها ضمن السياق السياسي من خلال الربط بين تجانس النخبة وتجانس المجتمع ومركزة الدولة وطبيعة الاستعمار[41] ليخلص إلى أن النمط –الدولتي- التونسي لما بعد الاستعمار رام الانصهار بين الدولة والمجتمع، وتأسس على محاور العقلنة العلمانية معارضا أشكال الولاء الجهوي والقبلي من جهة، ومخالفا للولاءات العربية أو الإسلامية، وبناءا على هذا فالنخبة التونسية تظهر في ثلاث تمثلات تعكس ثلاث توجهات إيديولوجية، توجه قومي يمثله (الثعالبي وأتباعه)، وتوجه راديكالي عمالي مثله (بن صالح وعاشور)[42]، وتوجه حداثي يمثله حزب الدستور الجديد في النموذج البورقيبي، هذا الأخير انصهرت فيه كل النماذج المذكورة لتستنفذ تونس ذلك الخزين من تقنيات المنازعة[43] حسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي “برتران بادي” لذلك تحول الكاريزم البورقيبي إلى هوية لتونس، فمحمد مزالي كبير السياسيين التونسيين المعارضين اعتبر الاعتراف بالشرعية البورقيبية من إحدى شروط حق المشاركة في أول انتخابات تشريعية تعددية لسنة 1981م، هكذا أصبحت محاور العقلنة والعلمنة[44] هي النمط الإيديولوجي للسلطة في تونس بشكل مستمر.

 

الفقرة الثانية: النظام الليبي:

منذ صدور قرار الأمم المتحدة رقم 289 بتاريخ 21 نونبر 1949م، الذي نص على أن “ليبيا التي تضم برقة وطرابلس الغرب وفزان عليها أن تشكل دولة مستقلة ذات سيادة” سارع الليبيون إلى إعلان البيعة لمحمد إدريس المهدي السنوسي أمير برقة، وفي 7 أكتوبر 1951 أصدر الدستور الليبي الأول، وقد نص على تأسيس ملكية دستورية وعلى تكوين دولة ديمقراطية مستقلة ذات سيادة تؤمن الوحدة القومية وتصون الطمأنينة الداخلية.[45] ليستمر الوضع على هذه الشاكلة حتى بعد التعديل الدستوري لعام 1963م بحيث ظل النظام الملكي يحتفظ بجوهره كما هو معلن في دستور 1951م إلى حدود عام 1969م تاريخ الانقلاب العسكري لمعمر القذافي، بحيث دخلت ليبيا عهد النظام الجمهوري، ويعود السبب في قيام الثورة برأي القذافي إلى تخلف الإنسان العربي عن القرن العشرين[46]، وقد اتضحت  معالم إيديولوجية السلطة في ليبيا في ثلاث مفاهيم هي الحرية والاشتراكية والوحدة[47]، هذه المفاهيم تشكل ما يسمى بالنظرية العالمية الثالثة التي يكرسها الكتاب الأخضر الذي جعل الحكم كمشكلة أساسية تواجه الجماعات البشرية وتسبب الصراع والمشاكل العصبية[48]، ويرى القذافي أن “كافة الأنظمة السياسية في العالم الآن هي نتيجة صراع أدوات الحكم على السلطة صراعا سليما أو مسلحا…”[49] وهو ما يفسر رفض النظام الليبي للتعددية والتمثيل السياسي والأساليب التقليدية للممارسة الديمقراطية، ويكمن الحل حسب الكتاب الأخضر في “إيجاد أداة حكم ليست واحدة من كل تلك الأدوات محل الصراع، والتي لا تمثل إلا جانبا واحدا من المجتمع، أي إيجاد حكم ليست حزبا ولا طبقة، ولا طائفة، ولا قبيلة، بل أداة حكم هي الشعب كله وليست ممثلة عنه ولا نائبة، فلا نيابة عن الشعب والتمثيل تدجيل”[50] مما يعني حسب القذافي أن كافة نظم الحكم في العالم المعاصر ليست ديمقراطية ما لم تهتدي بأسلوب المؤتمرات واللجان الشعبية[51]، وفي ما يخص المفاهيم المؤطرة لإيديولوجية النظام الليبي، والممثلة في الحرية والاشتراكية ثم الوحدة، فالحرية تمثل حسب القذافي  طموح ورغبة كافحت من أجلها الأجيال إذ يقول “لقد قاتلت أجيالنا جميعها في سبيل الحرية…”[52]، وحول تحقيق هذا التوجه يشترط القذافي تطبيق الاشتراكية بطابع عربي وإسلامي يقول “كي تتحقق الحرية الاجتماعية لابد من تطبيق الاشتراكية في إطارها العربي الإسلامي” ومعنى ذلك أن الاشتراكية الليبية تستند في فلسفتها إلى الإسلام وقيم العدالة الاجتماعية التي تبيح الملكية الخاصة[53]، أما المفهوم الثالث أي الوحدة فيحيل على التماسك الوطني من جهة وهو ما يبرر حل الأحزاب التي تضعف الوحدة، ومن جهة أخرى تعني الفكرة وحدة العرب يقول القذافي “إن حبي لمنطقتي لا يمنعني من حب الأمة العربية بأسرها”[54] وهذا هو ما جعل النظام الليبي ينتقد موضوع الحدود بين ليبيا وتونس، وإعلانه الوحدة مع تونس سنة 1974م، وتأسيس الاتحاد العربي الإفريقي مع المغرب عام 1975م بهذه المفاهيم الثلاثة يتحدد المخفي والمعلن في إيديولوجية نظام العقيد معمر القذافي.

 

 

 

 الفقرة الثالثة: النظام الموريتاني:

عندما نالت موريتانيا تقرير مصيرها، وضعت فرنسا المختار ولد دادة على رأس هذا الإقليم، وقد بدأ المشهد السياسي يتشكل منذ الستينات من القرن العشرين، وذلك في شكل صراع بين ولد دادة و”المختار اندجاي” الذي كان يشغل رئيسا للمجلس الموريتاني، هذا الأخير كان يعول على الدعم الفرنسي مع عدائه للمغرب[55]، ووسط هذه الأحداث تشكلت  في موريتانيا ثلاث أحزاب أساسية هي حزب النهضة برئاسة “بوياكي عابدين” (هذا الحزب كان يعتبر موريتانيا مغربية)، ثم حزب التجمع الوطني برئاسة ولد دادة وقد كان يمثل جهاز السلطة ومشروعها، بحيث تمكن من استمالة حزب النهضة إليه[56]، وما يلاحظ على البناء الإيديولوجي للسلطة الموريتانية أو السلط هو افتقاده للوعي السياسي خلال الستينات نتيجة الاختلاف حول وجود الدولة من عدمها، كما أن معارضة المغرب لبناء الدولة وتأييد الدول العربية للطرح المغربي، بالإضافة إلى عدم التحرر من الطابع الاثني والقبلي كلها عوامل جعلت هذا البلد على الدوام يمتاز بعدم الاستقرار، وبالتالي فالدولة الموريتانية لا زالت تفتقد إلى الوعي السياسي الكافي لتشكل إيديولوجية السلطة التي لا تخرج عن دائرة الصراع بين التقليد في بعض الجوانب والانفتاح على الحداثة في مواقع أخرى. هذه القاعدة المزدوجة نجدها واردة ومؤكدة في النص الدستوري، بحيث تنص الديباجة والمادة الأولى من الدستور الموريتاني على كون الدولة إسلامية وديمقراطية اجتماعية[57].


المبحث الثاني: مؤسسات الحكم بالدول المغاربية

تعني المؤسسة لغويا ما يؤسسه الناس أو المجتمع من تراكيب وأجهزة لتنظيم حياتهم في مختلف الميادين[58]، واصطلاحا فالمؤسسة تعرف بحسب الحقول المعرفية المتعددة فالمؤسسات في الفكر السياسي مثلا تعني مجموعة القوانين المتعلقة بسير وتسيير المجتمع، أي الكيفية أو الطريقة التي تحكم توزيع السلط العامة والخاصة، وكذا مجموع الجزاءات التي تضمن الممارسة المنظمة والعادية لهذه السلط[59]. وفي علم الاجتماع ينظر إلى المؤسسات كوقائع اجتماعية بمعنى أن الطبيعة الاجتماعية هي مجموع سلوكات قارة ومنتظمة ،أي أن هذه السلوكات ليست اعتباطية أو عشوائية، بل تخضع لنظام قار يفرض على الأفراد داخل المجتمع لدرجة تقبله واحترامه، وفي علم السياسة يعرف “موريس هوريو” المؤسسة بأنها فكرة تخلق سلطة وهيئات مسيرة، ويميز “هوريو” بين مؤسسات مجموعات كالدول والجمعيات، ومؤسسة أشياء غير قادرة على التجسيد مثل القواعد القانونية[60].

وهناك عدة تقسيمات أخرى للمؤسسات على المستوى السياسي أبرزها المؤسسات التأسيسية والحاكمة، فالأولى هي المكونة لمصدر الحكم، والثانية هي التي تمارس الحكم


[1]Guy Rocher, introduction à la sociologie générale, l’action sociale, Ed H.M.H. paris 1978 p 127 et suivant.

[2]– روشيه وثوريون هم علماء اجتماع فرنسيون.

[3]– جوران تربون: إيديولوجية السلطة وسلطة الإيديولوجيا، ترجمة إلياس مرقص، دار الوحدة، الطبعة الأولى بيروت 1982، ص 16.

[4]– عبد الله العروي: مفهوم الإيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى بيروت1988ص:11.

[5]– أحمد زايد: الدولة في العالم الثالث: دار الثقافة، الطبعة الأولى القاهرة 1985، ص 243،

[6]– عبد اللطيف أكنوش: واقع المؤسسة والشرعية في النظام السياسي المغربي على مشارف القرن 21، مكتبة بروفانس، الطبعة الأولى البيضاء 1999، ص 87.

[7]– محمد ضريف: الإسلام السياسي في الجزائر ، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى البيضاء 1994. ص 10.

[8]– المرجع نفسه، ص 28.

[9]– مصالي الحاج هو أحد رموز الوطنية الجزائرية ولد بتلمسان عام 1898.

[10]– سعد الله أبو القاسم: الحركة الوطنية الجزائرية، منشورات الآداب، ط الأولى بيروت 1989، ص 426.

[11]– حول تلك المطالب، انظر: أحمد بلاسي، الاتجاه العربي الإسلامي ودوره في تحرير الجزائر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى القاهرة 1990، ص 51-52.

[12]– المصدر نفسه، ص 53.

[13]– للمزيد حول جمعية العلماء انظر: محمد ضريف، الإسلام السياسي في الجزائر، م.س، ص 121.

[14]– أحد شعارات جمعية العلماء، المرجع نفسه، ص 31.

[15]– مثل هذا الاتجاه: اتحاد المسلمين المنتخبين، والحزبين الشيوعي والاشتراكي.

[16]– حول فكرة الإجماع على الاستقلال انظر: علي الشلقاني، ثورة الجزائر، دار النديم، الطبعة الأولى القاهرة 1956، ص 187-188.

[17]– المصدر نفسه، ص 194.

[18]– بعض نصوص الميثاق الوطني الجزائري لعام 1963 انظر محمد ضريف، المرجع السابق، ص 40.                                                        

[19]– برتران بادي: الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي، ترجمة لطيف فرج، دار الفكر للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، القاهرة 1996م، ص 161.

[20]– مغنية الأزرق: نشوء الطبقات في الجزائر: دراسة في الاستعمار والتغيير الاجتماعي السياسي، ترجمة سمير كرم، مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة الأولى بيروت 1980م، ص 158-159.

[21]– صالح فيلالي: إيديولوجيات الحركة الوطنية الجزائرية في سليمان الرياشي وآخرون الأزمة الجزائرية سلسلة كتب المستقبل العربي (11) مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1996، ص 37.

[22] ABDELKADER YEFSAH, la question du pouvoir en Algérie ENAP ALGER 1990, p 67.

[23]– حول هذا الغموض انظر عبد العالي دبلة: النظام السياسي الجزائري من الأحادية الحزبية إلى التعددية في السيادة والسلطة، سلسلة كتب المستقبل العربي (56) مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2006، ص 192-193.

[24]– حول التحولات انظر: المختار مطيع، مشاكل سياسية وقضايا دولية في القرن العشرين مكتبة الشباب، الطبعة الأولى الرباط 2000، ص 270 وكذلك مؤلف:

Omar ben douro « la crise de la démocratie en Algérie ed orientale Oujda 1999, p 6.

[25]– محمد عبد الباقي الهرماسي: المغرب المعاصر، الخصائص المؤسسية والإيديولوجية للبناء السياسي في تطور الوعي القومي بالمغرب العربي سلسلة كتب المستقبل (8) م.د.و.ع الطبعة الأولى بيروت 1986، ص 194 وبعدها.

[26]– هذا الرأي يتبناه الهرماسي: م.س، ص 192.

[27]-محمد ضريف: النسق السياسي المغربي المعاصر، ط الأولى أفريقيا الشرق البيضاء 1990، ص 30.

[28]– عبد الرحيم العطري: الحضور المخزني في المجتمع المغربي، استراتيجية الاختراق والهيمنة، مجلة وجهة نظر العدد 22 الرباط 2004، ص 46 وبعدها

[29]– هند عروب: المخزن في الثقافة السياسية المغربية، دبلوم الدراسات العليا المعمقة، كلية الحقوق أكدال الرباط 2001/2002، ص 12.

[30]– هند عروب: ثقافة المواطنة في بلاد الرعية المغرب نموذجا، سلسلة كتب المستقبل العربي (56) م.س، ص 182، وبعدها.

[31]– عبد اللطيف أكنوش: واقع المؤسسة والشرعية، م.س، ص 56-57.

[32]– المرجع نفسه، ص 88.

[33]– المرجع نفسه، ص 95.

[34]– حول خروج العلماء من الفعل السياسي انظر بالتفصيل، محمد عابد الجابري، المغرب المعاصر الخصوصية والهوية والحداثة والتنمية، مؤسسة بنشرة الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1988، ص 61 وبعدها

[35]– حول هذه القرارات انظر بالتفصيل: مليكة الصروخ: القانون الإداري، دراسة مقارنة، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء الطبعة الثانية 1996، ص 110-111.

[36]– عبد اللطيف أكنوش: واقع المؤسسة والشرعية: م.س، ص 113.

[37]– محمد ضريف: الدين والسياسة في المغرب من سؤال العلاقة إلى سؤال الاستتباع، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، الطبعة الأولى 2000، ص 35 وبعدها.

[38]– محمد عبد الباقي الهرماسي: الخصائص المؤسسية والإيديولوجية، م.س، ص 192.

[39]– حول أهمية الاتجاه الإصلاحي لتونس ودوره في الانصهار بين الدولة والمجتمع انظر:

 

 

,

[44]– محمد عبد الباقي الهرماسي: الخصائص المؤسسية والإيديولوجية، م.س، ص 191.

[45]– حول طبيعة الحكم الملكي بليبيا وتوجهاته انظر دستور ليبيا لعام 1951.

[46]– محمد يوسف المقريف: ليبيا بين الماضي والحاضر، م.س، ص 123.

[47]– انظر ديباجة دستور ليبيا لعام 1969 المعدل بإعلان سلطة الشعب سنة 1977 في عصام نعمة إسماعيل، دساتير الدول العربية، م.س، ص 549.

[48]-عماد عامر عبد الله محمد: المشاركة السياسية للمرأة الليبية كأحد مؤشرات التغير السياسي رسالة ماستر غير منشورة، كلية الحقوق سطات، المغرب 2008/2009، ص 60.

[49]– المصدر نفسه ص 60.

[50]– معمر القذافي: الكتاب الأخضر: المركز العالمي لدراسات الكتاب الأخضر، طرابلس د.ت.ن، ص 40.

[51]– المصدر نفسه، ص 40.

[52]-بعض مقاطع خطابات القذافي في محمد يوسف المقريف، ليبيا بين الماضي والحاضر، م.س، ص 124.

[53]-المصدر نفسه، ص 125.

[54]– المرجع نفسه، ص 127 وبعدها.

[55]– قاسم الزهيري: مذكرات دبلوماسي…، م.س، ص 46.

[56]– المرجع نفسه، ص 47.

[57]– انظر الدستور المعدل في يونيو 2006 بموريتانيا وارد في عصام النعمة إسماعيل، دساتير الدول العربية، منشورات الحلبي الحقوقية الطبعة الأولى بيروت 2008.

[58]– المختار مطيع: المبادئ العامة للقانون الدستوري والمؤسسات السياسية، دار بابل للطباعة والنشر الطبعة الأولى الرباط 1995، ص 9.

[59]– عبد اللطيف أكنوش: واقع المؤسسة والشرعية… م.س، ص 49.

[60]– المصدر نفسه: ص 50 وبعدها.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *