بعد مرور ثمانية أشهر.. رصد ما آلت إليه الاوضاع في الكنائس المحترقة بالمنيا

 

 كان من الممكن أن تصبح قبلة للسائحين من مختلف بقاع الدنيا، لكنها صارت ضيفا على صفحات الحوادث والجرائم والمحاكمات، أو ربما يرد ذكرها من حين لآخر بشكل عابر في خبر صغير عن افتتاح مصنع أو إنشاء كوبري ، ليخيل إلى القارئ أنها تحصل علي حقها في التنمية والخدمات .. لكن هيهات ..فالمنيا كحال محافظات الصعيد، عانت من التجاهل الحكومي على مدي عقود متتالية ، وإذا كانت المنيا العاصمة تحظى ببعض الاهتمام ، فان المراكز الأخرى وعددها 8، تغرق في الفقر والأمية والمرض ، فتحولت إلى أراض خصبة للأفكار المتطرفة.. وليس بخاف على احد ارتباط اسم المنيا بالجماعات الإسلامية التي تنتهج العنف سبيلا، فأصبح غياب الأمن نقطة ضعف حقيقية تقف عائقا أمام أي جهود لإنعاش المحافظة سياحيا، وهي التي تحتل المرتبة الثالثة بعد الأقصر وأسوان في عدد المواقع الأثرية. “الأهرام” زارت بلاد العسل الأسود، بلد طه حسين وهدى شعراوي وهي أيضا بلد عاصم عبد الماجد وسعد الكتاتني .. فاكتشفنا جمالا مهدرا ، وطبيعة بكرا، وتاريخا منسيا ، وبقاعا مقدسة .. وبقايا حضارات.. فهي بالفعل عروس لكن بلا فرحة.. 

رغم الدمار والخراب : نصلي.. ورغم المرارة والحزن: نبتهل

هذا هو لسان حال أقباط المنيا الذين تعرضت كنائسهم لحملة مسعورة من الحرق والتخريب والنهب في ١٤ اغسطس الماضي، ذلك اليوم العصيب الذي شهد فض اعتصام أنصار جماعة الاخوان الارهابية بميداني رابعة والنهضة.. وهي حملة مخطط لها بعناية استهدفت أكثر من محافظة، إلا ان حظ المنيا كان الاسوأ، اذ تم حرق ١2 كنيسة وأربع مدارس قبطية، حتى ملاجئ الايتام لم تسلم من نيران الكراهية، حيث تحول ملجأ أيتام جنود المسيح بمدينة المنيا، الي مكان مخيف وموحش ، بعد ان التهمت ألسنة اللهب كل محتوياته وشوهتها وجعلتها حطاما منثورا، من كتب الاطفال المدرسية وأناجيلهم وسجلات بياناتهم، ولولا تنبؤ وتنبه أساقفة ورعاة تلك الكنائس بما هو آت خلال الساعات الاولي لفض الاعتصام، ولولا إخلاء الملجأ من الاطفال قبل وقوع الحريق، لامتدت الخسائر الي الأرواح.. وهي الخسارة الوحيدة التي لا تعوض.

 

بعد مرور ثمانية أشهرعلي اليوم المشئوم ..نرصد ما آلت إليه الاوضاع في الكنائس المحترقة.. استقبلت أنوفنا رائحة الحريق وكأن النيران كانت مشتعلة بالامس، واصطبغت الجدران بالسواد، واحترقت كلمات الله على صفحات الانجيل وانطمست معالم أيقونات السيدة مريم العذراء وابنها المسيح عليه السلام، وتناثرت المحتويات المتفحمة في مشهد يجبر كل من يراه علي صب اللعنات علي كل من خطط وشارك واقترف تلك للجريمة التي ينفر منها اي إنسان ولو كان بلا ملة او دين.. مشهد يؤكد أن النيران ظلت مشتعلة لأيام وليس لساعات، بعد أن حال المجرمون دون وصول سيارات المطافي لاطفاء الحريق.

بعض الكنائس المتضررة لم يتبق منها سوي الاسم، ككنيسة الامير تادرس بمدينة المنيا والكنيسة الانجيلية الأثرية بملوي، اذ لم يكن هناك بد من هدم ما تبقي منهما واعادة بنائهما من جديد، وهو ما يتم حاليا بالفعل علي قدم وساق بسواعد القوات المسلحة وعلى نفقتها، بينما تنتظر بقية الكنائس دورها في الترميم والاصلاح.. اللجان الهندسية جاءت وعاينت وكتبت التقارير وحددت حجم الخسائر التي قدرت بملايين الجنيهات وعلي رأس الكنائس التي تنتظر “دورها” كنيسة الانبا موسي في مدينة المنيا والتي تعد من اكبر وأجمل الكنائس بالمحافظة ، ويشاء القدر أن يقع الحريق بعد أيام قليلة من تجديد الكنيسة بالكامل والانتهاء من وضع اللمسات الجمالية الاخيرة، التي لم يهنأ بها أحد!

نيافة الانبا مكاريوس- الاسقف العام لمطرانية المنيا وأبو قرقاص- كشف لنا عن أن الانتهاء من بناء وترميم الكنائس المحترقة في المحافظات المختلفة يتم على ثلاث مراحل، و تضم كل مرحلة عشرة مواقع ، ومن المفترض ان تنتهي المرحلة الاولى بحلول 30 يونيو المقبل، ونصيب محافظة المنيا فيها هو كنيسة الامير تادرس،

و مدرسة راهبات القديس يوسف بمدينة المنيا، وكنيسة ماري جرجس بقرية بلهاسا بمغاغة

ملحوظة: الاهرام رصدت أيضا سريان العمل في كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية والكنيسة الانجيلية بمدينة ملوى.

يتابع نيافة الانبا بمرارة : “نقرأ ونتابع في الصحف أخبارا كثيرة حول القبض على المشتبه بهم في حرق ونهب الكنائس وممتلكات الاقباط في 14 اغسطس الماضي، لكننا لا نعلم عددهم او أية معلومات كافية عنهم، والحقيقة أننا لا نشغل أنفسنا بالمتابعة، فالملف في عهدة النيابة والقضاء، نتمنى فقط ان يتم الاعلان عن أسماء قادة تلك العصابات”.

لن نستسلم

نتيجة لتأخر أعمال الاصلاح، لم يكن أمام الاقباط سوي الصلاة وإقامة قداسهم الاسبوعي في أماكن اخري تابعة أو ملحقة بكنائسهم المحترقة، ولم تكن أحسن حالا بطبيعة الحال، اذ لم تسلم هي الاخري من ألسنة النيران، فضلا عن ضيق مساحتها ورداءة حالتها من جدران” علي الطوب الاحمر” وأرضيات إسمنتية غير مستوية، وتهوية غير كافية .

لم يستسلموا ، فزينوا الجدران المتفحمة، بأيقونات السيد المسيح وأمه البتول، وفرشوا السجاد ليغطوا الأرض المتربة، وأشعلوا البخور ليطمس رائحة الكراهية.. وعلت أصواتهم بالدعاء “أعطني يا رب القوة لأحتمل عناء هذا النهار مع كل ما سيحمله لي.. وجّه أنت إرادتي وعلمّني أن أصلي واؤمن وأصبر وأسامح وأحب.. وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا، ويارب عوض من له تعب في ملكوت السموات..”.

العيون حزينة دامعة لكنها تفيض ثقة في الله وعدله ورحمته ورعايته وعزائه.. يدعون بالهداية من أجل اعدائهم وكارهيهم، وينبذون روح الانتقام التي تتنافي مع تعاليم السيد المسيح . سألناهم: كيف تتحملون الصلاة طوال كل تلك الشهور ، وسط تلك الاطلال المحترقة والركام المتفحم؟؟، فأجابوا بتلقائية دون تفكير: “عشان بلدنا نستحمل أي حاجة.. المهم مصر تبقي بخير”.

نيافة الانبا أكد أن إعادة الوضع الى ما كان عليه سيستغرق وقتا طويلا، وهم يتفهمون جيدا الظروف التي تمر بها البلاد والعبء الملقى على عاتق الحكومة و الشرطة والقوات المسلحة، وقال ان ما يعنيهم في الوقت الحالي أن يتعلم المصريون ثقافة تقبل الآخر كما هو الحال في أي مجتمع متحضر، مشيرا الى انه حتى الان يتلقى الاقباط تهديدات بالايذاء، ومازالت ظاهرة الخطف مستمرة في محافظات الصعيد وعلى رأسها المنيا وقنا، وهي ظاهرة مقلقة لا ينبغي الاستهانة بها.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *