عبد الله الحمزاوي الكاتب المغربي يكتب: النظام السياسي بالجزائر بين الماضي والحاضر

عبد الله الحمزاوي الكاتب المغربي يكتب:  النظام السياسي بالجزائر بين الماضي والحاضر

سعت فرنسا منذ احتلالها للجزائر وتحويلها إلى مستوطنة خاضعة لنفوذها إلى فرض نموذج الدولة الفرنسية المتمثل في تأليه الدولة ومركزة السلطة مما يعني أن تاريخ الاستعمار الفرنسي شكل نفيا للوطنية الجزائرية، لكن الجزائريين احتضنوا إيديولوجيا الاستعمار بشكل مضاد، وسعوا إلى محاربتها بمنطقها نفسه لإثبات وجود الدولة- الأمة في الجزائر وقد بدأت معالم الإيديولوجية المضادة تتشكل منذ تأسيس مصالي الحاج جمعية نجم شمال إفريقيا عام 1926م، وقد عمل هذا الكيان السياسي على الدفاع عن مسلمي الشمال الإفريقي ، وعبر بوضوح عن توجهاته الوطنية في مؤتمر بروكسيل لسنة 1927م، وتتجلى في طلب استقلال الجزائر وإنشاء جيش وطني مع إطلاق حرية الصحافة، وضمان الحقوق السياسية والنقابية والانتخابية، بالإضافة إلى مطالبته بإنشاء المدارس العربية ونتيجة لهذه التوجهات المعادية عملت فرنسا على حضر هذا الحزب فتحول ليحمل اسما جديدا هو “الاتحاد الوطني لمسلمي شمال إفريقيا” سنة 1934م إلا أن السلطات الفرنسية قامت بحله في يناير 1937 ليعود مرات أخرى في تسميات مختلفة .
إلى جانب حزب نجم شمال إفريقيا لعبت جمعية العلماء التي تأسست في مايو 1931م برئاسة عبد الحميد بن باديس دورا مهما في تشكل الوعي الوطني بالجزائر ممثلا في الدين واللغة والثقافة العريقة ف “الأمة الجزائرية ليست فرنسا، ولا تريد أن تصبح فرنسا ولوجنسوها” ، هذا على مستوى لحظة التأسيس أما لحظة ترسخ الوطنية الجزائرية فقد تجاذبتها نظرتان الأولى تبدوا معاكسة لتاريخ الجزائر وقد سعى أصحابها إلى ترسيخ فكرة الإدماج مع فرنسا عوض الاستقلال، والسبب هو إنكار أي وجود للأمة الجزائرية . أما النظرة الثانية فقد برزت بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة تغير بنية القوى الوطنية بحيث أصبح الكل يجمع على استقلال الجزائر مع اختلاف السبل . ففي بيان 3 فبراير 1943م اتفق الكل على ضرورة إقامة الجمهورية الجزائرية . هكذا وعلى عكس الخطاب الاستعماري توصل الخطاب الرسمي إلى تأكيد عراقة الأمة الجزائرية ببعدها الحضاري والثقافي والجغرافي، بحيث تم التأريخ للدولة الجزائرية في الميثاق الوطني منذ مرحلة ما قبل الإسلام أي مع الدولة النوميدية في عهد الملك “ماصينصا” أما المرحلة الإسلامية فيتم التأريخ لها من الدولة الرستمية ، إلا أن معالم إيديولوجية السلطة في مرحلة الاستقلال وإن اجتمعت حول فكرة الاستقلال من قبل، فإن جبهة التحرير لم تستطع أن تطور إيديولوجية خاصة بها رغم تقاربها منهجيا مع الأحزاب الشيوعية ، لذلك فالجبهة بقيت السمة التي تميزها أنها ليست حزبا إيديولوجيا خالصا من النوع الغربي، ولا هي حزب طبقة بالمقاييس الماركسية، ولا هي حزبا أرستقراطيا محافظا من النوع الفاشي، وإنما هي حزب مساواتي أو ديمقراطي اجتماعي ، من هنا تظهر التناقضات داخل إيديولوجية الجبهة ففي دراسة للباحث الجزائري “صالح فيلالي” حول إيديولوجية الحركة الوطنية يقول “أن إيديولوجية جبهة التحرير الوطني خلال الثورة التحررية يجب أن تفهم على أنها كانت تشكل وحدة متناقضة نجحت في تجنيد الجماهير ضد الاستعمار، لكنها فشلت في بلورة مبادئ إيديولوجية متماسكة خلال الاستقلال” لهذا ساد الجزائر في البدايات الأولى للاستقلال اتجاهين: اتجاه الحكومة المؤقتة لعام 1958م وأعطى الأولوية للسياسي على العسكري، واتجاه القيادة العامة للجيش الذي تصور أسبقية قيادة الأركان العامة على المنظمات السياسية ، ومنذ ذلك الحين ضلت العلاقة غير واضحة بين السياسي والعسكري على مستوى الواقع، وكذلك على مستوى المواثيق الوطنية ابتداء ببرنامج طرابلس في عام 1962 وحتى ميثاق 1986م . بعد هذه المرحلة شهدت الجزائر تحولات صعبة تمثلت في أعمال العنف بين الإسلاميين بقيادة “الفيس” والسلطات الجزائرية، وقد انتهت هذه الأحداث بمجموعة من التغيرات أبرزها تعديل الدستور وتبني خيار التعددية السياسية. وتحقيق التيار الإسلامي لمجموعة من المكاسب في الانتخابات المحلية والتشريعية، إلا أن توقف المد الإسلامي بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد دخلت البلاد منعطفا جديدا تمثل في تشكيل مجلس أعلى للدولة يضم خليط من الساسة ورجال الجيش، ونودي على محمد بوضياف المنفي بالمغرب آنذاك ليتولى رئاسة المجلس المذكور غير أن حكم بوضياف لم يدم طويلا إذ تم اغتياله من قبل أحد حراسه ليأتي دور الأمين زروال ويستمر الجيش في الحكم، بعد ذلك أدت انتخابات الرئاسة سنة 1999م إلى وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم ومنذ ذلك الحين مازال بوتفليقة رئيسا للجزائر الى يومنا هذا. والأخطر من ذلك أن بوتفليقة وصل الى العهدة الرابعة ضمن حكمه للجزائر بحيث تمكن من الفوز للمرة الرابعة خلال اقتراع 17 أبريل 2014 متزعما الصدارة بنسبة تجاوزت الثمانين في المئة وهو ما جعل منافسه الرئيسي علي بن فليس يشكك في مصداقية المشهد السياسي بالجزائر.
وعموما ضلت إيديولوجية السلطة غير ثابتة رغم تمكن الجزائر من تحقيق القطيعة بين المخزن التقليدي والدولة الجديدة ، مما يعني أن إيديولوجية النظام الجزائري محكمة بطابع نفعي فالدولة وإن أقرت بإسلامها دستوريا، فإنها لم تترك قيم الحداثة الغربية في شقيها الاشتراكي والليبرالي إلا أن هذا الجمع بين المشروعيات المتنازعة ليس الغرض منه سوى ضمان تفوق الجيش كآلية للسلطة والتحكم في دواليب الدولة ومؤسساتها.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *