الثورات العربية : انهيار الجمهوريات واستقرار الملكيات

بقلم  عبد الالاه الزكريتي

zakriti11@gmail.com
باحث في الدراسات السياسية والعلاقات الدولية المعاصرة
يجمع الملكيات العربية كثيرا من التشابه والتجانس في الأنظمة السياسية التي تعتمدها، وتحكمها أسر تتوارث الحكم (ملكيات وأميريات)، وتتحد إلى حد كبير في الخطوط العريضة لسياساتها الخارجية ، وبنفس درجة التشابه والتجانس الذي يجمع الأطراف ، فقد كانت هناك رغبة واضحة في احتواء الاحتجاجات الشعبية التي ضربت كثيرا من الأقطار العربية فيما سمي بالربيع العربي .
وفي الوقت الذي كانت فيه الأنظمة الثورية والقومية تنتظر حدوث ثورات على الملكيات العربية أسوة بمصر والعراق وليبيا وجدت هذه الأنظمة نفسها أمام مد شعبي كبير يطالب بـ “إسقاط النظام” بعد أن استنفدت كل ما بيدها من أوراق، فسقطت تونس ومن بعدها مصر وليبيا ثم اليمن واليوم سوريا، في حين بقيت الأنظمة الملكية ثابتة بعد سلسلة إصلاحات سياسية واجتماعية.
لم تكن الملكيات العربية أفضل من الجمهوريات في الديمقراطية. لم يترشح أي ملك أو أمير أو سلطان للانتخابات لكن الملكيات كانت أفضل من الجمهوريات في الحريات .وهناك اختلاف كبير في الانفتاح السياسي بين الملكيات من السعودية المنغلقة في شكل شبه كامل مرورا بالحياة الحزبية الناشطة في المغرب وصولا إلى الاستجواب القاسي والمستمر للوزراء في مجلس الأمة بالكويت، لكن باستثناء المملكة العربية السعودية، الملكيات كمجموعة أكثر ميلا من الجمهوريات إلى إتاحة مساحة أكبر من الحقوق والحريات ونشاط المجتمع المدني وإلى تنظيم انتخابات أكثر حرية  .
وقد امتدت الاحتجاجات الشعبية لتشمل الأنظمة الملكية العربية، وان اختلفت حدتها من نظام ملكي لآخر. وفي الوقت الذي شهدت فيه البحرين احتجاجات واسعة شبيهة بتلك التي شهدتها دول الربيع العربي (تونس، مصر، لييبا، اليمن، سوريا) لم تشهد ملكيات عربية أخرى الأردن والمملكة العربية السعودية مظاهرات واسعة النطاق كنظيرتها البحرين. في حين اختلفت حدة المظاهرات في دول مثل المغرب، سلطان عمان، الكويت، بينما لم تشهد قطر والإمارات أي احتجاجات، لاتخاذ معظم الملكيات العربية إجراءات لاسترضاء مواطنيها من خلال المنح المادية واستحداث إصلاحات وقائية ضيقة.
إن القرار الخليجي بدا قويا في استحالة السماح بسقوط أي من الأنظمة الملكية واعتبار سقوط احدها مقدمة لسقوط الآخرين، إن الأنظمة الخليجية تدرك جيدا مدى الصلة الوثيقة بينها كأسر حاكمة متماثلة من ناحية بنيان الحكم والسلطة وطبيعتهما، ومتقاربة من الناحية الفعلية من خلال التشابكات الأسرية والامتدادات العائلية القبلية والترابط بعلاقات مصاهرة، ومن ثم تقف بالمرصاد دون السماح لأي تغيير ثوري أو ثورة شعبية، ويرتفع ذلك إلى مرتبة القرار الموحد وهو ما بدا في سلوكها تجاه اضطرابات البحرين وإرسال قواعد درع الجزيرة التي ساعدت على كبحها، وإعادة حالة الهدوء والاستقرار مجددا. كما أبدت رغبة خليجية في توسيع دائرة “حزام الاستحالة” من خلال قرار القمة التشاورية الواحدة والثلاثين في الرياض 10 مايو 2011 بقبول انضمام مملكتي الأردن والمغرب إلى المجلس، وهو ما يعني توسيع حزام الاستحالة ليشمل كل الممالك الوراثية في العالم العربي، على الرغم مما أثاره القرار من ردود فعل داخلية وإقليمية متفاوتة. فإنه عَكَسَ تحديد هدف وصياغة رؤية من جانب دول المجلس، بما مثَّل أول رد فعل إقليمي يعادل المكافئ الاستراتيجي لحدث الثورات العربية على الصعيد الخليجي  .
وكان القرار متسرعا ومفاجئا مما اضطر عدد من الدول لرفضه (مجلس الأمة الكويتي) وبالتالي فيمكن أن يتوقف القرار عند حدود بناء تحالف من نوع خاص بين السعودية والأردن والمغرب يتضمن تمتين التحالف الدفاعي الأمني بين بيوت الحكم السعودي والهاشمي والعلوي لتكون معا محورا للدفاع عن الملكيات الوراثية  .
والبعض يرى أن الملكيات العربية استشعرت الخطر مبكرا بعد سقوط الأنظمة القمعية الجمهورية في العالم العربي وذلك على الرغم من أن أيا من العواصم الملكية لم يتردد فيها هتاف “الشعب يريد إسقاط النظام”، واكتفت المظاهرات حتى الآن بالمطالبة بالإصلاحات التشريعية والسياسية والاقتصادية. وما زال الملك خطا أحمر وتريد الأنظمة الملكية أن تتماسك مع بعضها البعض، لتكون أكثر تواصلا واقترابا، ليس فقط في مواجهة انتفاضات شعوبها ولكن أيضا في مواجهة خطر القوى الإقليمية غير العربية خاصة إيران التي تمر علاقاتها بأزمات مكتومة مع دول الملكيات .
وجدير بالذكر – وقد أتيت على ختم هذه الورقة – أن المغرب لم يقدم طلبا للانضمام للمجلس ورحب به دون اندفاع وحرص على أن مكانه الطبيعي هو اتحاد المغرب العربي، لذلك فإن مختلف التقديرات أشارت إلى أن علاقة المغرب مع المجلس ستكون شكلا من أشكال التعاون الوثيق والشراكة المتقدمة دن الوصول إلى العضوية الكاملة.
وقد صرّح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود فيصل (بعد القمة التشاورية بأيام) بأن مجلس التعاون يرفض انضمام المغرب والأردن لما سيشكلانه من عبء على المجلس مشابه للعبء اليوناني على الاتحاد الأوروبي  .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *