ساسة جنوب الأمس فشلوا سياسيا وليس عسكريا

ساسة جنوب الأمس فشلوا سياسيا وليس عسكريا

كتب/ رائد الجحافي
بعد أيام قليلة ستحل علينا الذكرى العشرين لاعلان فك الارتباط بين دولتي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية) والذي أعلنه الرئيس الجنوبي علي سالم البيض في تاريخ 21 مايو عام 1994م معلناً انتهاء عقد الوحدة بين الدولتين بعد اربع سنوات من الدخول في وحدة اندماجية لم يكتب لها النجاح، اعلان فك الارتباط جاء اثر صراع سياسي محموم بين الطرفين ظهرت اولى بوادره بعد أقل من عام على إعلان الوحدة تلك، لكن اعلان فك الارتباط لم يشفع للجنوب الذي كان آنذاك يتعرض لحرب شرسة شنتها العربية اليمنية التي واصلت الحرب واجتاحت الجنوب بقوة السلاح وفرضت سيطرتها ولاتزال حتى اللحظة.
ـ الوضع القانوني لقرار فك الارتباط:
يعد قرار فك الارتباط بمثابة تراجع احد طرفي العقد عن الاتفاقية المبرمة وذلك بعد ظهور ما يخل بالعقد في شرط من الشروط أو في احد بنود الاتفاقية التي وقع عليها الطرفين، وباعتبار الوحدة التي جرت بين الطرفين اتفاقية تحمل الكثير من البنود المتفق عليها فأن الاخلال بأحد بنودها يؤدي إلى انتهاء العقد واعتباره عقد باطل وذلك وفقاً لاتفاقية فينا لقانون المعاهدات
اعتمدت من قبل المؤتمر الأمم المتحدة بشأن قانون المعاهدات الذي عقد بموجب قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2166 المؤرخ في 5 كانون الأول/ديسمبر 1966، ورقم 2287 المؤرخ في 6 كانون الأول/ديسمبر 1967، وقد عقد المؤتمر في دورتين في فيينا خلال الفترة من 26 آذار/مارس إلى 24 آيار/مايو 1968 وخلال الفترة من 9 نيسان/ابريل إلى 22 آيار/مايو 1969، واعتمدت الاتفافية في ختام أعماله في 22 أيار/مايو 1969، وعرضت للتوقيع في 23 أيار/مايو 1969، ودخلت حيز النفاذ في 27 كانون الثاني/يناير 1980م، وقد نصت المادة 49: التي تناولت مسألة التدليس على الآتي:
“يجوز للدولة التي عقدت المعاهدة بسلوك تدليسى لدولة متفاوضة أخرى أن تحتج بالتدليس كسبب لإبطال رضاها الالتزام بالمعاهدة”.
واتفاقية الوحدة قامت على التدليس من قبل طرف الجمهورية العربية اليمنية، وذلك بايهام الطرف الآخر (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) بانها تسعى الى قيام دولة مدنية، دولة مساواة وعدالة وغيرها، لتنكشف الحقيقة بمجرد انقضاء اشهر قليلة على زيف ما يدعيه الطرف اليمني الذي لم يبدي أي نوايا حقيقية لاقامة الدولة المدنية بل ضهرت نواياه المخفية بأن الغرض من الدخول في تلك الوحدة جاء للانقضاض على الجنوب والقضاء على هويته ونهب ثرواته وغيرها من الأمور الأخرى.
“المادة 60: انقضاء المعاهدة أو إيقاف العمل بها نتيجة الإخلال بها:
1- الإخلال الجوهري بالمعاهدة الثنائية من قبل أحد أطرافها يخول الطرف الآخر الاحتجاج به كسبب لانقضائها أو لإيقاف العمل بها كلياً أو جزئياً.
2- يخول الإخلال الجوهري بالمعاهدة الجماعية من قبل أحد أطرافها:
(أ) الأطراف باتفاق جماعي فيما بينها إيقاف العمل بالمعاهدة كلياً أو جزئياً أو إنهائها:
“1” إما في العلاقات بينهم وبين الدولة المخلة؛ أو
“2” فيما بين جميع الأطراف.
(ب) الطرف المتأثر من هذا الإخلال بصورة خاصة الاحتجاج به كسبب لإيقاف العمل بالمعاهدة كلياً أو جزئياً في العلاقات بينه وبين الدولة المخلة.
(ج) أي طرف آخر عدا الدولة المخلة الاحتجاج بالإخلال كسبب لإيقاف العمل بالمعاهدة كلياً أو جزئياً بالنسبة له إذا كان من مقتضى طبيعة المعاهدة أن يغير الإخلال الجوهري بنصوصها من قبل أحد أطرافها تغييراً جذرياً في مركز كل طرف فيها فيما يتعلق بتنفيذ التزاماته في ظل المعاهدة.
3- لأغراض هذه المادة يشتمل الإخلال الجوهري على ما يلي:
(أ) التنصل من المعاهدة بما لا تجيزه هذه الاتفاقية، أو
(ب) مخالفة نص أساسي لتحقيق موضوع المعاهدة والغرض منها.
4- لا تخل الفقرات السابقة بأي نص في المعاهدة يسري عند الإخلال بأحكامها.
5- لا تنطبق أحكام الفقرات 1 إلى 3 على الأحكام المتعلقة بحمايـة الإنسان المنصوص عنها في المعاهدات ذات الطابع الإنساني وبخاصة الأحكام التي تحظر أي شكل من أشكال الانتقام من الأشخاص المحميين بموجب هذه المعاهدات.”
وعلى ضوء نص هذه المادة يضهر جلياً ان الطرف اليمني (الجمهورية العربية اليمنية) قد أخل بشروط العقد باعلانه الحرب على الجنوب، واعلان الحرب ذلك يعد خلل جوهري باعتبار الرئيس اليمني قد تنصل من الاتفاقية باعلان الحرب الذي لا تجيزه تلك الاتفاقية، لذلك كان لصدور القرار الرئاسي الذي اصدره الرئيس علي سالم البيض في 21 مايو 1990م قوته القانونية، حيث أنه لم يأت اعتباطا أو على سبيل ردة فعل غير محسوبة، بقدر ما كان يقوم على اعتبارات وأبعاد قانونية وسياسية وقد أعطى إعلان فك الارتباط في 21 مايو 1994م بعداً قانونياً دولياً للقضية الجنوبية إذ أصبح اجتياح الجنوب في 7 يوليو من نفس العام احتلالاً له وتطبق عليه الأعراف التي تطبق على الاحتلال.
الأخطاء السياسية التي وقع فيها الجنوب:
ـ يمننة الجنوب عن طريق ادخال اسم اليمن إليه في اتفاقية الاستقلال.
ـ القبول بأبناء العربية اليمنية واعتبارهم مواطنين لهم كامل حقوق المواطنة وتفضيلهم بامتيازات واسعة، ما مكنهم من الاستحواذ على سلطة القرار الرسمي وتسخير نفوذهم ومواقعهم السيادية لخدمة اليمننة.
ـ توقيع اتفاقية الوحدة بين الدولتين والقبول بشكل الاتفاقية على انها اعادة توحيد شطرين وليس دولتين وذلك من خلال اطلاق مسمى (اتفاقية الوحدة اليمنية) على تلك الاتفاقية التي كان يفترض منحها اسم مشترك بين الدولتين مثلها مثل الوحدة التي جرت بين سوريا ومصر واطلقوا على اتفاقية الوحدة بينهما (الوحدة المصرية السورية) بينما اطلق على الدولة المتحدة آنذاك (الجمهورية العربية المتحدة) ولم يدخل في التسمية أياً من الدولتين.
– أثناء الحرب على الجنوب أجرت حكومة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تحركات دبلوماسية إقليمية ودولية كانت القيادة السياسية ممثلة بوزير الخارجية ورئيس الوزراء يطالبان المجتمع الدولي خلال تحركاتهم بالضغط على صنعاء لوقف إطلاق النار، وركز النشاط الدبلوماسي على الترويج للمشكلة من جانب المعاناة الإنسانية التي تسببت بها الحرب على الجنوب بغية التأثير على المنظومة الدولية لاتخاذ قرار صريح يقود إلى إلزام صنعاء بوقف الحرب على الجنوب، وعلى اثر تلك المطالب تلقت القيادة السياسية آنذاك نصائح بتغيير مطالبها وإعلان فك الارتباط والمطالبة باستعادة مقعد الجنوب في الأمم المتحدة، وجاء مثل هكذا كلام على لسان السيد بلييتر نائب وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأدنى الذي كشف حينها إن رئيس حكومة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التقى به وطلب منه وقوف واشنطن إلى جانب مطالب الجنوبيين وذلك قبل انعقاد جلسة لمجلس الأمن سيحضرها رئيس الحكومة حيدر العطاس، وقال بلييتر انه نصح العطاس تغيير صيغة مطالبه وان يطلب من أعضاء المجلس استعادة مقعد الجنوب في الأمم المتحدة، لكن الأخير اقتصر حضوره على شرح الوضع من جانب إنساني يطالب بوقف إطلاق النار فقط ولم يبد أي مطالب أو نوايا في استعادة مقعد الجنوب وهو ما جعل أعضاء المجلس بالتعاطي مع المشكلة وفق محيط المشكلة الداخلية للدولة الواحدة، كان هذا قبيل إعلان فك الارتباط، وهكذا بالنسبة لممثل الجنوب في الأمم المتحدة الذي اقتصرت خطاباته ومناشداته التي أوصلها إلى الهيئات الدولية والعربية ويطالب بوقف إطلاق النار وحل المشكلة على ضوء المفاوضات تحت سقف وحدود الدولة اليمنية الواحدة، وعندما أدركت القيادة السياسية الجنوبية خطر استمرار الحرب ووجود بطء في التعاطي الدولي مع المسالة سارعت إلى إعلان فك الارتباط.
وذكر دبلوماسيين عرب وأجانب بعد احتلال الجنوب بان قيادات الجنوب ارتكبت خطا فضيع عندما حصرت تحركاتها الدبلوماسية على نقطة المطالبة بوقف إطلاق النار، وذكر دبلوماسيين عرب أنهم كانوا قد نصحوا الجنوبيين بالمطالبة بالاعتراف بدولتهم لكنهم رفضوا وعللوا رفضهم بأنهم لو ابدوا رغبتهم تلك فان الجيش اليمني سيجتاح عدن بالقوة وسيعمل على إخراجهم من الجنوب، وأدركت القيادة الجنوبية مؤخراً إن والمناشدات التي تطلقها لوقف إطلاق النار لم تجد أذان صاغية وان جهودها وتحركاتها الدبلوماسية لم تحرز أي تقدم، ما دفع بالرئيس البيض إلى إعلان قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (إعلان فك الارتباط 1994م.
ـ صمت النخبة السياسية الجنوبية التي نزحت بسبب الحرب اثر اجتياح قوات صنعاء للجنوب وعدم متابعة ملف الجنوب في الهيئات والمنظمات الدولية، حيث كان من الأهمية أن تلتئم الحكومة التي جرى الاعلان عنها في 21 مايو 1994م في أي دولة وتقوم باعلان هيئة لتمثيلها وتفويضها بمتابعة ملف الجنوب وتقديمه إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحاكم لاهاي الدولية، لا أن تتشتت وتقبل بالهزيمة كأنها مجرد فئة متمردة حاولت الخروج على الشرعية الدستورية، في حين عمدت صنعاء وسارعت لمخاطبة الهيئات الدولية وقدمت لها التزامات بخصوص الجنوب الذي ظهر فجأة بلا وكيل ولا قضية، فعقب اجتياح قوات صنعاء للجنوب ودخولها العاصمة عدن مباشرة وجهت صنعاء وبشكل رسمي رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 7يوليو1994م نصت على الآتي:
“الدكتور بطرس بطرس غالي
الامين للامم المتحدة – نيويورك المحترم
1- منذ ان اصدر مجلس الامن قراره رقم (924) بتاريخ الاول من يونيو 1994م حول الحالة في الجمهورية اليمنية والذي اعقبة بقرار اخر رقم (931) بتاريخ 29 يونيو 1994م قامت حكومة الجمهورية اليمنية باعلان وقف اطلاق النار من جانب واحد في ثمان مبادرات متتالية ولكن المتمردين ظلو يرفضون ذلك عمليا بمواصلة القصف برا وبحرا وجوا على قوات الوحدة والشرعية.
2- ولقد فرض ذلك الخرق المتواصل وضعا مأساويا بالنسبة للمواطنين الابرياء في مدينة عدن وبعض المدن الاخرى حيث ظلوا يعانون من مخاطر استمرار العمليات العسكرية فضلا عن انعدام المياة ومستلزمات الحياة الضرورية .
3- لذلك وحفاظا على ارواح المواطنين وممتلكاتهم ورفع المعاناة عنهم وانهاءا لاعمال التمرد التي باتت تهدد امن الوطن وحياة المواطنين فقد قررت الحكومة استعادة وبسط سلطتها على كامل ارجاء البلاد .
ولما كانت قد حققت ذلك فإن حكومة الجمهورية اليمنية تعلن وتؤكد توقف جميع الاعمال العسكرية بشكل دائم فورا . مما يلبي مقاصد قراري مجلس الامن رقم (924)و(931.(
4- لقد قامت قوات الحكومة وتقوم بتوزيع المياة والاغدية على المواطنين في عدن وغيرها من المناطق التي عانت كثيرا سيطرة المتمردين عليها.
وبناءا على ماسبق فأن حكومة الجمهوريه اليمنيه تود ان تبلغكم بانها قررت مايلي:
أ‌- اعلان عفو عام شامل وكامل .
ب‌- استعدادها لتعويض المواطنين الذين فقدوا ممتلكاتهم نتيجة لاعمال التمرد واعتبار قانون رعاية الشهداء ساريا على جميع ضحايا التمرد.
ت‌- تأكيد التزامها الثابت بالنهج الديمقراطي والتعددية السياسية وحرية الرأي والصحافة واحترام حقوق الانسان .
ث‌- اعتزامها مواصلة الحوار الوطني في ظل الشرعية الدستورية والتزامها بما جاء في وثيقة العهد والاتفاق كأساس لبدء الدولة اليمنية الحديثة .
ج‌- تأكيد حرصها على التعاون الكامل مع دول المنطقة على اساس مبادئ الاحترام المتبادل وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤن الداخلية وفقا لميثاق الامم المتحدة . وكذا استعدادها لتطوير علاقات التعاون الوثيقة مع جيرانها بما يخدم الامن والاستقرار ورفاهية ابناء المنطقة في الجزيرة العربية والخليج .
واخيرا اود ان اتقدم بجزيل الشكر لكم ولمبعوثكم الخاص السيد الاخضر الابراهيمي على الجهود التي بذلتموها لاحتواء الازمة الداخلية التي مرت بها بلادنا . كما اود ان اشكر من خلالكم رئيس واعضاء مجلس الامن مؤكدا مجددا تعاوننا الكامل معكم ومع مجلس الامن بما يخدم الاستقرار والسلام في بلادنا وفي المنطقة بأسرها.
وتقبلو ياسيادة الامين العام خالص تحياتي وتمنياتي لكم بالنجاح …
د: محمد سعيد العطار القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء في الجمهورية اليمنية
صادر في 7 يوليو 1994م.”
واليوم وبعد ضهور الحراك الجنوبي واندلاع الثورة التحررية وتصاعدها منذ العام 2007م لتشمل كل مناطق الجنوب ووفق اجماع شعبي يطالب بتحرير واستقلال الجنوب واستعادة دولته، هل نستطيع العبور بهذه الثورة الى بر الأمان أم أننا سنكرر ذات الأخطاء.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *