لامبيدوزا: جنة الأحلام المُميتة

لامبيدوزا: جنة الأحلام المُميتة

10335849_1413855865554781_600837297_n
تونس _ منية عبد الجواد
قبل ثلاث سنوات، مر احمد السعيدي من هنا تحت جنح الليل، وخلف تلة صغيرة موجودة في مكان ما ضمن ساحل منطقة جرجيس، الممتد على طول ثمانين كيلومترا جنوب شرق تونس، انتظر بصمت إشارة من (الحراق)، ركض بعدها باتجاه مكان كانا قد اتفقا عليه مسبقا، ليجد قاربا صغيرا، ينتظر قربه بالإضافة إلى الربان، خمسة عشر شخص آخر، ينتظرون الصعود في مركب مخصص لعشرة فقط، والوجهة هي لامبيدوزا، اقرب الجزر الايطالية الى تونس.
الخمسة عشر الذين رافقوا احمد الذين كان يبلغ 21 عاما من العمر، لم يعد منهم احد، فيما لاتزال أمه تحاول الحصول على أي معلومة بشأن مصير ولدها الوحيد، من الحراق (المهرب) الذي تقول انه “يتجول بسيارته أمامها ولا يجيب على أي من أسئلتها”.
أم احمد، وهي امرأة في العقد الخامس تقول أن ابنها “كان كثير التذمر من صعوبة الحصول على عمل في تونس”، وإنها عرفت قبل ذهابه بفترة انه “يتردد على مقهى يجتمع فيه البحارة بجرجيس”، لكنها تؤكد أنها ظنت انه “قرر العمل في البحر، وليس الذهاب إلى البحر بدون رجعة”.
وتضيف أم احمد أن “ابنها استدان 1000 دينار تونسي (نحو 800 دولار)، من خاله، بدون أن يقول له سبب حاجته إلى هذه الأموال”، مضيفة “جاءني عشية احد الأيام، واخبرني انه ذاهب إلى ايطاليا، ظننته يمزح، لكنه كان جادا، وطلب مني الدعاء له، ولم تنجح توسلاتي وبكائي في ثنيه عن الذهاب، وعلمت فيما بعد أن مركبا تحمل خمسة عشر شباب بعمر احمد غرقت على بعد عدة أميال بحرية من الساحل التونسي، لكن الشرطة لم تعثر على جثث”.
وتشير المرأة التي يبدو عليها الفقر والمرض إلى أن “سألت فيما بعد عن الحراق الذي اتفق معه ابني وهناك من رآه يسلمه الأموال، ويركب معه في المركب، لكن هذا الرجل ينفي أن يكون مسؤولا عن شيء”، مضيفة “اكتفى بطردي، وسبني وقال أن علي أن اهتم ببيتي وتربية أولادي بدلا من أن أزعجه، وأنا لا املك دليلا، ولا احد يريح قلبي”.
أبي.. ليس لي مستقبل هنا …
“أبي، ليس لي مستقبل هنا”، تلك كانت الكلمات الأخيرة لأيمن نصير وهو يودع والده على الهاتف فيما قارب الموت ينطلق به نحو المجهول من ميناء صفاقس ليتحول بعد ساعات رقماً في قائمة المفقودين في ماعرف بعدها بـ”فاجعة 6 أيلول”.
بحرقة وألم يروي الأب بلقاسم نصير، 50 عاما، كيف قرر ابنه الذي انسدت كل السبل أمامه، أن يرحل.
بلقاسم قال “ابني عمره 22 عاما، وكان عاطلا عن العمل، لم أكن أعلم انه ينوي الهجرة وإلا كنت منعته، سمعت الخبر بعد فوات الأوان عندما اتصلت به ووجدته في البحر، وبعد ساعات علمت أنه في عداد المفقودين”.
وأضاف والدموع تغمر عينيه “لقد كان ابني يحلم بمستقبل أفضل، لكنه فشل في إيجاد عمل يؤمن له عيشا ميسورا، حلمه انتهى قبل أن يبدأ، ولامبيدوزا لم ترحمه”.
الحلم الأوروبي يسكن العقول

البعض حالفه الحظ وبدأ حياة جديدة، لكن آخرون غامروا بدون جدوى. قصة وليد السمعلي شاب أصيل منطقة سيدي بوزيد يبلغ من العمر 25 سنة قبل أن يطلق تنهيدة عميقة غمر رأسه بين ذراعيه وتابع وصف عراقيل السفر
و معاناة “الحرقة” وهو ما يزال تحت وطأة الفاجعة: “نجحت في الوصول لساحل الامبيدوزا بعد صراع متعب مع أمواج البحر . تخفيت لأيام و شرعت في البحث عن عمل لكن دون جدوى. ظللت تائها يتقاذفني الفقر و الجوع دون مأوى” إلى ان وقعت في قبضة خفر السواحل الإيطالية الذين أعادوا ترحيله إلى بلده ليقضي عقوبة بالسجن لمدة سنة .
وقال السمعلي “فشلت في إيجاد موطن شغل في بلدي، حاولت تحسين ظروف عيشي بالذهاب إلى أوروبا، لقد نجح العديد من أصدقائي في الوصول إلى إيطاليا وعادوا منها بسيارات وأموال، حاولت أن أسايرهم لكن الحظ لم يحالفني.”.
ورغم ارتفاع تكلفة الرحلة التي تصل إلى حوالي 1500 يورو، يصرّ وليد على تكرار محاولة الإبحار مرة أخرى.
وقال “لم يعد لدي ما أخسره في تونس، فأمي وأبي توفيا، والحياة صعبة هنا. حلم الذهاب إلى أوروبا مازال يراودني رغم كل شيء. أشعر أنني سأجد مستقبلا أفضل هناك، آمل أن يقف الحظ إلى جانبي في هذه المرة.
لامبيدوزا الوجهة المفضلة لـ”الحارقين”
يقول عز الدين بوسليم، وهو قبطان مركب صيد متوسط الحجم، انه كان يرى قوارب المهاجرين غير الشرعيين بشكل شبه يومي كلما خرج إلى البحر، مضيفا أنه “في الأشهر الأخيرة قل عددهم، لكنني لا أزال أرى المراكب بين الفترة والأخرى”.
ويبين بوسليم أن “مراكب الحراقة تتجه دوما نحو لامبيدوزا الايطالية، الجزيرة الواقعة على منتصف الطريق بين جرجيس والساحل الايطالي”، مشيرا إلى انه يميز هذه المراكب لـ”كونها قديمة وتتحرك بصعوبة، كما أن الحمل الزائد واضح عليها”.

ويؤكد تقرير رسمي لوزارة الخارجية أن عدد التونسيين الذين هاجروا إلى لامبيدوزا، الجزيرة الايطالية التي تبعد نحو 60 ميلا بحريا عن السواحل التونسية، بعد ثورة 14 يناير 2011 تجاوز 30 ألف شخص. فيما تتحدث جمعيات ايطالية ناشطة في مجال مقاومة الهجرة السرية عن نحو 40 ألف مهاجر سري بعد الثورة التونسية و لم تتوفر أرقام عن أعداد المهاجرين غير الشرعيين الذين تحولوا إلى ايطاليا قبل سنة 2011
وفي عام 2011، وبالتحديد بعد نحو شهر من اندلاع الثورة التونسية، وجهت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين نداء استغاثة إلى الدول الأوروبية للمساعدة في مواجهة احتياجات المهاجرين التونسيين غير الشرعيين الذين التجئوا إلى لامبيدوزا، التي جعلها واقع أنها أقرب نقطة ساحلية أوروبية لتونس مقصد اغلب المهاجرين غير الشرعيين من دول المغرب العربي.
وأمام ضخامة أعداد المهاجرين، والذين بدأوا بالوصول إلى ايطاليا منذ اندلاع الأحداث عقب إحراق البوعزيزي نفسه، في 17 ديسمبر (كانون الثاني)، وجدت روما نفسها أمام معضلة إيواء غير مسبوقة.
وفي 8 جويلية (تموز) من العام نفسه زار بابا الفاتيكان فرانسيس الأول جزيرة لامبيدوزا الإيطالية في البحر الأبيض المتوسط ودعا المجتمع إلى التعاطف مع المهاجرين وعدم تجاهل هذه القضية.
وبعد وصوله إلى الجزيرة ألقى البابا إكليلا من الزهور في مياه البحر إحياء لذكرى الأشخاص الذين لقوا مصرعهم أثناء محاولتهم الوصول إلى الجزيرة ودعا “الجميع إلى التعاطف مع المهاجرين والتعامل برحمة معهم”، منددا بـ”اللامبالاة حيالهم وبمن يستغلون وضعهم من أجل جني الأرباح”.
وتبين المعطيات أن عدد المهاجرين في الجزيرة يزيد على عدد سكانها الأصليين البالغ 6 آلاف شخص بعدة أضعاف. وحسب معطيات الأمم المتحدة، فقد وصل إلى أراضي إيطاليا ومالطا خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2013 أكثر من ثمانية آلاف وأربع مائة مهاجر من ليبيا وتونس والصومال وإثيوبيا واريتريا.

شبكات جديدة لتهريب المهاجرين
على إيقاعات الثورة 14 من جانفي و الحان الثوار برزت شبكات جديدة لتهريب المهاجرين غير الشرعيين إلى الضفة الأخرى من المتوسط، وتوسعت أخرى لتشمل مناطق مختلفة من البلاد وخاصة المدن الداخلية البعيدة عن البحر والأحياء الشعبية عبر نشر وسطاء وبمستوى عال من التنظيم مهمتهم العمل على اقتناص الراغبين في الهجرة مستغلين عامل الانفلات الأمني للانخراط في تجارة البشر “المربحة”.
انتشر الوسطاء في تلك الأماكن انتشار النار في الهشيم يصطادون الحالمين بالهجرة ليصل نصيبهم من الغنيمة 300 دينار ( حوالي 200 دولار ) عن الشخص الواحد.
يحدد السماسرة أسعار الرحلات طبقا لقاعدة العرض والطلب، حسب الوجهة المقصودة, لتتراوح بين 2000 و 4000 دينار للمهاجر (2500 دولار)
أما “الحراق ” الكبير أي المشرف على التنظيم اللوجيستي والمادي للرحلة فله نصيب الأسد، ليبقى لقائد السفينة أجرة تصل حد 5000 دينار ( حوالي 3400 دولار )عن كل رحلة إلى الأراضي الايطالية. و يظل السماسرة على اتصال دائم برئيس الشبكة ” الحراق “، حسب ما أفادت شهادات أدلى بها عدد ممن شاركوا في رحلات الموت وعائلات المفقودين الذين التقيناهم .
يتركز هؤلاء المنظمون ” الحراقة ” في المناطق الساحلية مثل منطقة سيدي منصور التابعة لولاية ( محافظة ) صفاقس و التي اطلق عليها بعد الثورة ” وكر الحراقة ” نظرا لكثرة رحلات الهجرة غير الشرعية التي انطلقت منها باتجاه ايطاليا عقب سقوط نظام بن على.

“قوارب الموت ” تنهي حياة 5400 شابا
وتكشف دراسة قام بها المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية أنّه غادر البلاد ما يقرب من 40 ألف مهاجر سرّي خلال الثلاث سنوات الماضية ، فُقد منهم غرقاً نحو 5400 شاب.
وتقول نفس الدراسة أن نحو 24 في المائة من المهاجرين هم من الطلاب، بينما تتراوح أعمار 11 في المائة منهم بين 15 و19 سنة، و36 في المائة بين 20 و24 سنة، و37 في المائة بين 25 و 29 سنة، و12 في المائة بين 30 و34 سنة، و2 في المائة تتجاوز أعمارهم الأربعين سنة.
وتبين الدراسة أن غالبيّة المهاجرين ينتمون إلى الأماكن الأكثر فقرا وتهميشا والأحياء ذات الكثافة السّكانيّة العالية، إضافة إلى مدن سيدي بوزيد والقصرين والقيروان وقفصة.
وتشير الدراسة إلى انخفاض أعداد المهاجرين غير الشرعيين بنسبة 11.5 في المائة خلال العامين الأخيرين هو بسبب ما أسمته “اهتمام السلطات التونسية بإيجاد آليات تهدف إلى الحد من هذه الظاهرة”.
تواصل المعاناة في مراكز الإيواء
بعد إنقاذهم من الغرق أو بعد إلقاء القبض عليهم قرب سواحلها، تقتاد السلطات الإيطالية المهاجرين غير الشرعيين إلى مراكز إيواء ومن بينها مركز الاستقبال بجزيرة لامبيدوزا، إلى حين تدبر أمرهم واتخاذ الإجراءات الخاصة بهم سواء بتمكينهم من بطاقات إقامة وقتية أو تسليمهم إلى السلطات التونسية وترحيلهم. .
ويشتكي غالبية الناجين من تردي ظروف الإقامة في مراكز الإيواء بخاصة في جزيرة لامبيدوزا.إذ لا يرتقي هذا المآل إلى أحلام “الحارقين إلى القارة العجوز.
مجدي خليفة الذي كان مقيم بمركز الإيواء بجزيرة لامبيدوزا قبل ان يتم ترحيله إلى تونس ، أكد عند لقائه و هو يدخن بقايا سيجارة ، يحتسي ما تبقى من قهوته شارد الذهن أن “ظروف الإقامة غير ملائمة في ظل اكتظاظ المركز و تنوع جنسيات المقيمين..
و يتحول المهاجر في هذه المراكز إلى مجرد رقم في ظل تعمد “الحارقين” عدم الإدلاء بأسمائهم وجنسياتهم الحقيقية إصرارا منهم على البقاء لتحقيق أحلامهم الوردية فوق الأراضي الأوروبية، إضافة إلى أن غالبيتهم يركبون البحر دون وثائق تثبت هوياتهم..

100 ألف دينار تونسي غرامات على “الحارقين”
يقول المحامي صلاح الدين الشايب أن “القانون شدد العقوبات على الأشخاص الذين انخرطوا في جريمة الهجرة السرية بالسجن لمدد تتراوح ما بين 3 أشهر و20 عاما، وبغرامات مالية تصل إلى نحو 100 ألف دينار تونسي (ما يقارب 83 ألف دولار)”.
ويضيف الشايب “أن القانون أعطى المحكمة حق وضع المجرمين قيد المراقبة الإدارية أو منعهم من الإقامة في أماكن محددة إذا كان ذلك يساعدهم في مباشرة جريمة الهجرة غير الشرعية التي أطلق عليها المشرع الاسم الدارج في اللهجة التونسية المحلية، الحرقان”.
و في المقابل أعفى القانون بعض الأشخاص الذين انخرطوا في تنظيم عمليات هجرة سرية من أي شكل من العقاب، بشرط قيام هؤلاء الأشخاص بإعلام السلطة بوجود “المخطط الإجرامي”، أو مدها بمعلومات تساهم في إحباط المخطط والقبض على منفذيه.
علماء الاجتماع: الهجرة شبابية ذكورية وقد تؤنث مستقبلا
ويقول أخصائي الاجتماع عبد الستر السحباني أن “الهجرة السرية في تونس لاتزال فردية وليست عائلية أو جماعية، وأنها شبابية إذ تتراوح الأعمار بين 19 و35 عاما”،
ويضيف السحباني أن “الظاهرة ذكورية مع وجود مؤشرات على كونها مرشحة لكي تؤنث في المستقبل.
ويبين السحباني أن “اغلب من يقدمون على الهجرة السرية يتراجع لديهم الشعور بالانتماء إلى حد التمرد، حتى أن بعضهم عندما ينجح في الوصول إلى إحدى الدول الأوروبية يغير إسمه ويعمل جاهدا على إخفاء انتمائه لوطنه الأصلي”.
“حياة الفقر، وانعدام الفرص”، يقول السحباني، “كلها عوامل تؤدي بالشباب التونسي إلى الرضوخ لنداء البحر، والمجازفة بحياتهم.
أثار الهجرة السرية على الاقتصاد التونسي
خبير الاقتصاد صلاح الذهيبي يحذر من “خطورة ظاهرة الهجرة”، التي أكد أنها “ظاهرة خطيرة تعاني منها جلّ البلدان السارية إلى طريق النمو”، عادا أن “أسبابها تكمن أساسا في عدم إمكانية هذه البلدان على توفير مواطن شغل كفيلة بتأمين ظروف عيش ملائمة كما تكمن أسبابها أيضا في بعض الأحيان في أوضاع تتسم بضغوط حكومية وضغوط اجتماعية وعقائدية و تونس لم تكن بمنأى عن هذه الأوضاع”.
ويؤكد خبير الاقتصاد أن لهذه الظاهرة “جوانب سلبية على الاقتصاد لأن جزءا هاما من هؤلاء المهاجرين السريين هم في بعض الأحيان نخبة من اليد العاملة المختصة التي قد تفتقر إليها بلدانهم بعد أن سهرت على تكوينهم وصرفت لذلك أموالا طائلة”.
الهجرة السرية و صورة تونس دوليا
ويقول المحلل السياسي، وخبير العلاقات الدولية أيمن براهمي، إن “تفاقم ظاهرة الهجرة الغير شرعية يعطي نظرة سلبية على تونس من الناحية الدولية”.
ويضيف براهمي “أن ازدياد الهجرة من بلد ما يفسر دوليا على انه عدم قدرة من قبل دولة المهاجرين على توفير الظروف الملائمة لهم، علاوة على عدم قدرتها على تأمين حدودها وضبط منافذ العبور بها”.
ويؤكد المحلل السياسي أن “بعض المؤسسات العالمية المختصة تعتمد على عدة معطيات منها زيادة ظاهرة الهجرة بالتقييم السيادي للدول، ما قد يؤدي إلى انخفاض رتبة تونس سياديا اعتمادا على المعطيات والأرقام الرسمية لنسب الهجرة الغير شرعية”.

ومع هذا، فان كل هذه المعطيات لاتبدو راسخة في أنظار من ينتظر دوره لركوب مراكب الحراقين، والتوجه نحو مايظنون أنها فرصة أفضل، والتجارب القليلة الناجحة للمهاجرين هي أكثر إثارة للاهتمام والخيال من ألاف التجارب التي فشلت، والتي استقر أصحابها في قاع البحر، أو في معسكرات للاجئين، أو خلف القضبان الأوربية الباردة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *