محمد صالح الهنشـير الكاتب التونسي يكتب :تأملات قرآنية في ســـورة البـــلد

محمد صالح الهنشـير الكاتب التونسي يكتب :تأملات قرآنية في ســـورة البـــلد

وصلّى الله على سيّدنا محمد واله الطيبين الطاهرين كربلاء والحسين عليه واله السلام في القران الكريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20) ما الذي تحمله السورة وما الذي تريد ان تقوله , خاصة وانها تحدثت باصطلاحات جديدة لا توجد الا في هذا المقام العقبة.. المسغبة .. المتربة .. الفك ثم بعلاقة جديدة في تركيب المصطلحات “” فك رقبة “” وخاصة أن السورة بدأت بمستوى عال من القسم لا مثيل له إلا في سورة ” القيامة “, إذ القسم المسبوق بالنفي يوجد كذلك داخل بعض السّور , وكله قسم قوي له دلالته العميقة . كقوله تعالى : “” فلا اقسم بمواقع النجوم (75) وانه لقسم لو تعلمون عظيم (76) الواقعة والقسم بالنفي تعظيم لشيء عن شيء , وهو عند الله أعظم منه , بتقريب المشهد من الذّهن الإنساني .. “” لا اقسم بهذا البلد “” بالإشارة ينحصر المعنى , فتعريف البلد بالألف واللام جاء مصحوبا بالإشارة لشّد الانتباه , من هو البلد المقصود ؟ .. وماذا يعني مصطلح البلد في القران ؟ .. ذلك أن الله يقول في سورة البقرة : “” وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا “بلدا ” ءامنا وارزق أهله من الثمرات من ءامن منهم بالله واليوم الأخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار و بئس المصير “” الاية 126 وفي سورة ” إبراهيم ” يقول تعالى : “” وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا “البلد” آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام “” الآية 35 . آية ” البقرة ” لم تعرّف البلد في دعوة إبراهيم (ع س) , فالبلد لم ينشأ بعد , لذلك دعا إبراهيم بان يجعل هذا بلدا آمنا , أي انه في تلك اللحظة لا حياة فيها , وكان ذلك قبل بناء الكعبة , وسريان الحياة , “” ربّنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون “” 37 ابراهيم ثم لما دبت الحياة , وأصبح هناك بلدا , “” وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق “”27 الحج . أصبح البلد عامرا وصار معروفا , فدعا إبراهيم دعوة ثانية معّرفة , وهي زيادة في الطلب والتأكيد . فالأمن الأّول ليس كالأمن الثّاني الأمن الأول لأهله , لأنهم مكوّنوا المكان , هم الذين سيؤسسون فيه الحياة . الأمن الثاني هو للناس الذين جاؤوا من كل فج عميق , ودبت فيه الحياة بفضل بناء بيت الله وسريان الحياة من حوله . وتتركب سورة البلد من قسمين متوازنين . يبدأ القسم الأول من الآية الأولى إلى حد الآية العاشرة “” وهديناه النجدين “” ويبدأ القسم الثاني من الآية الحادي عشرة “” فلا اقتحم العقبة “” لينتهي في الآية العشرون والأخيرة “” عليهم نار مؤصدة “”.تقريبا نفس عدد الايات في القسمين يتضمن القسم الأول تحديدا مكانيا “” البلد “” وشخصا موجه له الخطاب وحديثا عن استمرارية الخلق وطبيعة الإنسان والحرية والمسؤولية اللتان أعطاهما الله له , وانه مسؤول عن أفعاله “”وهديناه النجدين “” بعد التقديم في الجزء الأول , يأتي الجزء الثاني استدلالا على تلك الإقرارات وتعظيما لعنوان “”العقبة “” والذي تنفرد السورة بمفهومه , فلا تأويل له خارج نطاق السورة , إذ لا يوجد مرادف للمصطلح في سورة أخرى , بل إن تأويلها امامك , لان الله يعرّفها لك, ويحصر اهتمامك فيها “”وما أدراك ما العقبة “” ترى , ما هو هذا المشهد الذي ترسمه السورة وتقدم له في الجزء الأوّل؟ , وتعرّفه في الجزء الثاني , فيه صعوبة وشدة , ويوم معين , فيه تيتم لأقرب الأقربين , ومساكين دوسوا في التراب فلحقتهم المتربة . إن اقتحام العقبة , توسطت السورة ودلت على إنها لب المسالة لما سبق الإشارة إليه من تقديم وتمهيد . وقد خاض المفسرون قديما وحديثا في معناها , خاصة وان لا مثيل لهذا الكلام في كتاب الله , والحال إن الله يميزها كحادثة , لان فيها الحركة ” الاقتحام” والاقتحام غير الدخول , لان الدخول يفترض الاشعار , وهو مسالة طبيعية , لذلك كلمة دخول في القران اكثر ورودا في القران , لكن الاقتحام على وزن افتعال هو ضرب من المفاجاة غير السارة فيه عدم احترام للحرمة , حرمة المكان والافراد والموقف . وفيها ” العقبة ” : والعقبة مدلول مادي ومعنوي وجذرها الحرفي حرف العين والقاف والباء , من مشتقاتها , العقاب , والعقوبة , والعاقبة , وتعقيب الامر , وكلها معان جمعها الله في هذا التعبير لانها تؤدي جيدا ما اراده لوصف هذا الحدث العظيم والواقعة التي جمعت كل تلك المعاني التي ستقف عليها كل البشرية وقد ذكرت مرتين .. “” فلا اقتحم العقبة “” 11 البلد “” هذا وان للطاغين لشر مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) واخر من شكله ازواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم انهم صالوا النار (59 ) قالوا بل انتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار (62) اتخذناهم سخريا ام زاغت عنهم الابصار (63)ان ذلك لحق تخاصم اهل النار (64) تفصل الآيات مآل الطغاة وتقسمهم . تشابه العذاب : “”وآخر من شكله أزواج “” 58 ص هؤلاء المقتحمون هم من قدموا الضلالة لأهل النار فهم يتبرؤون منهم بئس القرار = في اقتحام العقبة هم يدعون عليهم بالشر , لأنه بسبب ما قرّروه , قد تسبّبوا لهم فيما هم فيه , ولكن ذلك لا يعني تنصّلهم من المسؤولية . يتساءلون بعد ذلك عن رجال كانوا يعدونهم من الأشرار , فكيف لم يدركوا ببصيرتهم إنهم على حق , وكانوا يسخرون منهم , وهي طبيعة الزائغين مع الأنبياء والأوصياء .. تقدم الآيات مشهدين للاقتحام مشهد أخروي في الآيات من سورة ص , وهما على اتصال وتواصللان المصطلح في القران ليس مجرد لفظ يتكرر بل هو معاني متنامية مترابطة متناغمة تحيل الى بعضها وتؤول بعضها . ولا يفهم القران الا في هذا التناسق الالهي العجيب . مشهد دنيوي في سورة البلد وهي في علاقة وطيدة, تبين معنى الاقتحام, وهو الدخول عنوة, والتمويه, والخداع. “” فلا اقتحم العقبة “” فلا يمكن تزييف الحق باقتحامه وركوبه . وفي سورة ” البلد “يعرّف الاقتحام : بفك الرقبة , أو بإطعام في يوم ذي مسغبة , ويفسر الحالة الثانية ليدقق معناها , وبذلك فانه ما كان مؤوّلا , والقران يؤوّل بعضه , لا حاجة لنا بعد ذلك من اجتهاد .لان الله يريدنا ان ناخذ بمعنى واحد لان الحادث متفرد . فالمشهد الأوّل وما ورد هو الأهم والأعظم , يقول الله تعالى فيه : “” فك رقبة “” والتقاء الفك بالرقبة, عبارات مخصوصة , ذلك أننا في كتاب الله غالبا ما نجد ارتباط مفهوم الرقبة بعبارة التحرير والعتق, وهو معنى متفق عليه في تحرير الإسلام للبشرية من العبودية لغير الله , أي أن للرقبة معنيين مرتبطين , فعتق مادي بإخلاء السبيل , وعتق اجتماعي , يجعل الفرد مسئولا مسؤولية تامة عن نفسه . والافتكاك , والفك , والانفكاك , ضرب من الانتزاع بالقوة , والقطع القصري , لذلك فورود الفك مع الرقبة بهذا المعنى يصبح عملية إجرامية بالقطع المادي والمعنوي. وهو ايجاد لعلاقة جديدة في ورود المصطلحات في ترتيبها وتواصلها مع بعضها وهذا من الاعجاز البياني والمعنوي , حتى يعطيك بمصطلحات متواردة في علاقات جديدة مفهوما جديدا . قطع ذات عن الحياة , وقطع امتدادها الاجتماعي والعقائدي , ولا أدلّ على هذا المعنى من المشهد الثاني , في مشهد الإطعام في يوم ذي مسغبة . وهنا تأريخ لمسألة , فليس الحديث عاما , ولكنه مخصوص بيوم يتّسم بالمسغبة , وهي شدة البلاء والضنك, لذلك يورد مشهدين في قوله تعالى تأويلا لما سبق “”يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16).. بل انه يصور المشهد تصويرا يجعلك كانك في وسطه فأنت يا قارئ كتاب الله تلتقط مدى أهمية وشدة هذا اليوم , في ان الطعام والذي هو من ابسط حقوق الفرد , أصبح منقطعا عن فئتين , يتيما مقربا ومسكينا متربا , وقد اجمعوا على أن المترب هو المعفر بالتراب , وهو مشهد مخصوص , فليس كل مسكين ضرورة هو مترب , وهذا المسكين يعود عليه قوله تعالى : “” ثم كان من الذين امنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة “” (17) ونلاحظ أن في مستويات السورة عامة ترتيب مقصود فيه تماسك وتدرج , فالرسول أوّلا “” لا اقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) , والإمام ثانيا ممثلا في الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام “” فك رقبة “” وأبنائه في قوله تعالى : “” يتيما ذا مقربة “” وأتباعهم في قوله تعالى : “” مسكينا ذا متربة “” وتخلص السورة إلى مفهومي التواصي بالصبر والمرحمة وهو ديدن هؤلاء برغم شدة البلاء واولائك هم الفائزون , أي أن هؤلاء الذين يتـّمـوا والذين عفــّروا في التراب , وهذا اليوم الصعب الرهيب(المسغبة) بالرغم من ذلك قد جعل هؤلاء ملتزمون بالصبر ملتزمون بالرحمة وأنهم هم أصحاب الميمنة , ويقابلهم أصحاب المشئمة الذين لن يغفر الله لهم ما فعلوه مع الفريق الأول , فختمت السورة بان عليهم نارا لن يخرجوا منها لأنها “” مؤصدة “” ., فلا رجاء في توبتهم ولا رجاء في ان يغفر الله لهم , لان وصد الباب عنهم يعني احكام اغلاقه حتى لا يبقى لهم منفذا قدر انملة قد يكون لهم به امل في رحمة الله لانهم هتكوا باحباب الله فكيف سيرحمهم . وهكذا سادتي فان كتاب الله العزيز ما ترك شاردة ولا واردة الا وذكرها اما تفصيلا او تبويبا او اشارة أو تأكيدا أو استخلاصا . فكيف بنا وقد ذكرنا في هذه السورة بطريقة مستقلة مستفيضة تشد النفس المؤمنة الحق وتلهبها بذلك المشهد العظيم , مشهد استشهاد احد سيدي شباب أهل الجنة , وهي الحادثة التي ميزت أهل الحق عن الباطل ورسمت معالم بقية الصراع إلى أن يأتي الفرج , وقبل الفرج تأتي معارك الانتصار الكبرى حتى يورث الله الأرض للصالحين , ولا يمكن بذلك أن لا يحدثنا القران في امر كهذا فتاملوا معي قول الله تعالى : “والعاديات ضبحا (1)فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا (5) . تحدثنا كتب التفاسير عن خيول تصهل ومعارك طاحنة وغارات بالخيل فهل أن القران مقتصر على زمن الخيل , وما معنى الخلاصة بعد ذلك في قوله تعالى : “” فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا (5) “

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *