“وماذا بعد ” تونس وتهميش القبائل العربية

كتب / شرف ماضى
في تونس المعاصرة بات لفظ قبيلة ذو وقع غريب على الأسماع لأنّها لم تألفه و لأنَّه تلاشى من التداول منذ أمد بعيد. و لكن مع هذا حلَّ محلَّه “العرش” لفظ ثاني أخذ بدوره في الإضمحلال. و المقصود ب”عرش” في اللهجة التونسيّة تحديدا عشيرة و ليست القبيلة.
و ظهر “العرش” كأسهل في التعارف بين النَّاس لأن القبائل العربية و البربرية بدورها تعاظمت فخوذها ثم فروعها ثم عشائرها حتى صارت هاته الأخيرة بجسامة قبائل!
و لكن في أيامنا أضحى العارفون بهاته القبائل قليلون. فالكل إنسجم في حياة مدنية و مواطنة و إنتماء إداري في هذا البلد. كلُّ هذا لا جناح عليه و لا يصادم الإنتماء القبلي أو حتى مزاولة أنشطة قبلية داخل الدولة المدنية (التي بعد قضائها على الإنتماء القبلي تعدته لأن تصوَّر أنَّها نقيض الدولة الدينيّة و هكذا حتَّى تقضي على كل جذورنا).
و لكن الخطير أنَّ تمجيد المواطنة لم يكن متأتاه الوحدة و قوتها و الإجتماع و نبله بل أنَّ الغاية الكبرى هي القضاء نهائيا على كل ما يحيل إلى القبلية و لو كانت مجرَّد ذكرى!!
ربَّما يتساءل البعض عن جدوى إثارة موضوع القبيلة بعد كل هاته السنين و مضي مشروع الدولة و المواطنة. مرَّت تونس و ليبيا بأحداث غير مألوفة من ثورات على حاكميها. هاته المضائق شكَّلت خطرا داهما على البلدين. و لعلّ اكبر شعور بعدم الامان كان مصدره زوال الدولة و بقاء الفرد لوحده. ثم ظهر عجز الفرد أكثر عندما رغب في إنفاذ مطالبه …
كانت القبيلة ستكون سببا رئيسيا لطمأنة ابنائها و دعامة إستقرار في الأوطان و سبيلا لفرض مطالب المواطن كذلك كما سيتضح من تاريخ تونس في القرنين الماضيين.
هاته المقدّمة كانت ضرورية لفتح موضوع تهميش القبيلة و خطورته. و قد تقدَّمت الأحداث المعاصرة هذا الموضوع لأنَّها مصبوغة بنتائج سياسة تهميش ممنهج للقبائل العربية في تونس. إنَّ ثورة تونس التي آندلعت بولاية سيدي بوزيد -إحدى ولايات البلاد المعروفة بتركز كبير للعروش الهمَّاميّة (نسبة لقبيلة الهمَّامة العربيَّة لجدّهم همَّام) – جاءت كردَّة فعل ضدّ سياسة تهميش و تفقير طالت جدًّا. لم يكن هذا الإنتفاض فريدا فقد سبفته إنتفاضات أخرى بولايات أخرى تقطنها “عروش” أخرى تنحدر من قبائل عربية. فالزائر لتونس يرى إزدهارا كبيرا في شمال البلاد و سواحلها على حساب المناطق القبلية الداخلية التي كان يطلق على سكانها لفظ “عربي” إشتقاقا من لفظ “الاعراب”. أما اليوم فقد صار داخل البلاد “جنوب” و لو كنت بوسط البلاد. و كاننا بإزاء عالمين داخل وطن واحد!
كانت القبائل واضحة المعالم و الكيان في الإيالة التونسية زمن البايات (آخر عمَّال العثمانيين). كان لكل قبيلة منازلها و حماها. و كان لكل منها علاقة مع السلطة تميزها عن الأخريات فرضتها الأحداث التاريخية من صراعات داخل البلاط و من سطوة القبيلة و قوتها مقارنة مع الاخريات …
كان نمط سكان البلاد في المجال التونسي كالآتي: عوائل صغيرة ذوات انساب مجهولة في شمال و سواحل شمالية (لغاية مدينة المنستير) بعضهم ذوي اصول اندلسية او بربرية و عربية متلاشية ساقتهم ظروف لتلك المدن الحرفية المزدهرة ذات الحواضر العلمية أيضا. في الشمال الغربي للبلاد و ليس بعيدا عن العاصمة نجد حضورا لعروش رياح و دريد الهلاليّة(حاليا: ولايات باجة و زغوان و جندوبة و الكاف). تجاورهم – جنوبهم- عروش بربرية من اولاد عيَّار (ولاية سليانة) و حلف جلاص –بربر و عرب(القيروان و اجزاء من سيدي بوزيد). شرقا و غير بعيد عن السواحل بارياف المدن الساحلية نجد عروش المثاليث السلميّة (ارياف ولاية المهدية و صفاقس). في الغرب نجد عروش الفراشيش و ماجر البربرية (ولاية القصرين حاليا). في الوسط و الجنوب الغربي تمتد قبيلة الهمامَّة العربيَّة (حلف من الأشراف و سليم و حرب ) على مجال ولايتي سيدي بوزيد و قفصة حتى تصل واد سوف في الجزائر. يجاورهم من الشرق عروش نفات –نفاث- الجذامية. في الجنوب الشرقي نجد حلف بني يزيد من زغبة الهلالية (ولاية قابس). غرب هؤلاء نجد المرازيق من بني سليم. في اقصى الجنوب عروش من المحاميد و الكعوب و ورغمَّة البربرية و عروش بربرية أخرى(ولايتي تطاوين و مدنين). و أخيرا في الجريد (ولاية توزر حاليا) عوائل عريقة من اصول شريفة أو عراقية أو يمنية و أخرى بربرية.
كانت الإيالة مقسمة لأقطاعات للأعيان و القادة و أوقاف للاولياء الصالحين و حمى للقبائل التي كانت تدفع جبايات للسلطة. و كانت الاوضاع عموما مستقرة عدى مناوشات صغيرة ربَّما تحصل هنا أو هناك من أجل حدود الحمى او إغارات من قبل “القطعيّة” (قطاع طرق). حتى ما سمّت ثورة قامت بها القبائل على الباي في أوائل القرن التّاسع عشر بعد مضاعفة “ضريبة الرَّأس” لم تكن ثورة باتم معنى الكلمة إذا أن تحرك فرسان القبائل نحو العاصمة كان مرؤوسا من بعض الأعيان و العلماء الذين خاطبوا الباي في قراره و أذعن لهم و عاد كلّ لحماه. كانت العلاقة مع السلطة محكومة بالرضا إجمالا بدون إعتبار لدعاوي البعض بعدم الولاء و الإعتداد المفرط بالنَّسب. فقد كانت السلطة تتخذ من كل القبائل إجمالا قادة لجيشها ذي الاغلبية التركيَّة أو السواحليَّة (لأنهم بلا أصول) رغم أنَّه لم يكن لدى القبائل شغف كبير بالبلاط. فظهر من القبليين الذين إستعملهم الباي صالح بن يوسف من أولاد رضوان الهمامّة و علي بن خليفة النفَّاتي. و على ما يظهر كان جل إهتمام الباي بحواضر الشمال و الساحل بمدنهما التاريخية و أنشطتها الحرفية و اراضيها الخصبة متفاديا الصدام مع القبائل المتروكة لأعرافها و لسطوة بعضها على البعض الآخر حسبه منها المجبى. فظهرت بدل الولاء للسلطة أحلاف بين العروش تحفظ لها أمنها و حماها. يجب الإشارة إلى أن العداوات بين الكثير من العروش كانت قائمة و لو غلب عليها السكون. من أبرزها ما كان بين الهمامَّة من جهة و الفراشيش و ماجر من جهة. و ما كان بين الهمامَّة و المرازيق من جهة و بني يزيد من جهة أخرى.
هذا التوزع الجغرافي للقبائل ليلة نزول الفرنسيين بالبلاد بإتّفاقيَّة حماية عقدها الباي سنة 1881 ميلادي في تخلّي مهين من الباب العالي. لم يدر في خلد الباي و الفرنسيين أنَّ الامر ربَّما يحوّل الإيالة إلى أرض ملتهبة. فحالما تناهى لاسماع القبائل بجل عروشها خبر الإحتلال تهيأت كل قبيلة في حماها لمقاومة دخول الفرنسيين شمالا و شرقا و غربا. حيث تحفَّزت قبائل بني هلال و أولاد عيّار و الفراشيش و الهمامّة لمنعهم من العبور من الجزائر المحتلة لتونس. و سارع علي بن خليفة النفاَّتي –الذي تخلَّى عن الباي و كفَّره لتسليمه تونس لفرنا – لتجميع عروش نفَّات العروش من الهمامَّة (كان هنالك حلف بين اولاد عزيز الهماميّة و عروش نفات) و عروش بني يزيد و عروش المرازيق. فجمع منهم جيشا صغيرا ذهب يصد ّ بوارج الفرنسيين التي كانت تقصف سواحل الوسط في صفاقس و قابس تمهدا للإنزال. و كان إختلال موازين القوى جليَّا لضعف تسليح القبائل و عدم سهولة التنقل. يجب التنويه هنا على امور رائعة من بينها النخوة القبلية و هبَّتهم جميعا لدعوة علي بن خليفة لجهاد الكفار و عدم إنتظار الجيش العثماني و تناسيهم جميعا لخلافاتهم. للأسف الشديد و رغم إستبسال القبائل في قتال الفرنسيين و عسكر الباي إنهزم جمعهم و كسر علي بن خليفة الذي إنسحب تكتيكيا للجنوب صحبة من كان معه ليواصل الدفاع عن قابس التي تعرضت لقصف مدفعي عنيف. خاض بعدها هذا القائد معارك إستنزاف هنا و هناك إرتأى بعدها الإنسحاب نحو ليبيا. إصطحب علي بن خليفة 170 ألف تونسي فيها عروش باكملها من المتخوفين من إنتقام الفرنسيين. كان الامل ان يقدم الجيش العثماني للنصرة و لكنَّه لم يأت أبدا. فعاد إبنه لتونس مع من صحبه من العروش و بقي من بقي مع قائدهم الذي خذله الباب العالي رغم مراسلاته العديدة. ثم وافت علي بن خليفة المنية ليضمحل الأمل في جبهة قويَّة.
كان من الضروري عرض هاته الوقائع التي تمخضت عن سياسة التهميش التي كانت كعقوبة للعروش القوّية و الأصيلة على جهادها و ارتحالها من منازلها و حماها. فقامت في حمى القبائل الخالية ضيعات واسعة للفرنسيين. و مدّت السكك الحديدية نحو الجنوب إلى غاية بر الهمامَّة جنوب-غرب حيث الفسفاط و التمور و بني يزيد جنوب شرق. ظل الكثير من العروش في ليبيا حتى نشأ بينهم و بين القبائل الليبية (التي ستهاجر بدورها لتونس بعد إحتلال الطليان) نزاعات دفعت بالتونسيين للرجوع لمنازلهم ليفرض عليهم القبوع على أطراف الضياع و تعرض البعض الآخر للتهجير للجهات أخرى و الدمج مع قبائل أخرى. بعض الارشيفات العسكرية الفرنسية تضمَّنت توصيَّات بخطوات لإضعاف هاته القبائل بالتهجير و تقييد تحركات البدو الذين تلاشت قطعان إبلهم و اغنامهم بسبب ضيق المجال. فدب الفقر و فشت فيهم الأمراض و المجاعة. و ظلت البلاد عقودا ترزأ تحت نير المحتل الذي زاد في عمارة الشمال و السواحل على حساب الوسط القبلي. هاته الوضعية المذلّة لم تكن لتستهوي طويلا تلك العروش الأبيَّة. فحالما إستنجد بورقيبة بالقبائل حتى هبَّ الكثير منها بتشكيل زمر من المجاهدين الذين إستغلوا الجبال للتحصن و التنقل لضرب مصالح الفرنسيين في تونس و الجزائر. فسطّر أبطال الهمامَّة من عروش أولاد عزيز ملاحم في مختلف جهات البلاد حتى كأنَّه لا يخلو جبل او وادي من قبورهم التي دفنوا فيها بعد إستشهادهم في المعارك. و ظهر الازهر الشرائطي (من الهمامَّة) كقائد عام لجيش “القلَّاقة” – بمعنى الخارجين عن القانون. هاته الإنتفاضة دفعت فرنسا لمساومة بورقيبة على تسليمه البلاد وفق بنود سرية مهينة فوافق عليها. فذهب ما بينه و بين المقاومين من ود بعد أن فضح خيانته الزعيم صالح بن يوسف فمال إليه الأزهر الشرائطي و مجاهدون كثيرون رغم أن بورقيبة أقطعهم أراضي لإسترضائهم. ثم إنتهت هاته المعارضة بإعدام ثلة من المجاهدين الابطال بتهمة الخيانة و تدبير إنقلاب على بورقيبة بعد إستقلال تونس بسنوات قليلة. إنقلبت خطابات بورقيبة بعد قضائه على رأس حربة الهمامَّة و المجاهدين بصفة عامَّة إلى المس منهم و ذمَّهم و السخريّة من إدعائهم أن فضل جهاد فرنسا يعود إليهم و ضحك من “بنادقهم الصدئة” و أنهم رعاة ماعز. و مارس عليهم تهميشا لمناطقهم التي كانت تسلب مواردها الطبيعية بلا تنمية فيها. و كان للسلطة فيها توجه لإستمالة بعض الرؤوس في العروش و تسمينهم على حساب البقية. كانت الأوضاع ككرة الثلج فالتهميش دفع بالعروش لمساندة أي معارضة و التنمية في جهات الساحل (موطن بورقيبة) تدفع بأهلها للإستكبار و الولاء. حتى فاق التمييز في الوظيفة و الدراسة و الخدمات كل مدى في عهد بن علي (خليفة بورقيبة). ظلّ الساحليون يسيطرون على مفاصل الدولة لغاية اليوم. و ظلّت كل بادرة ثورة أو حراك تصدر من أرض الهمامَة أو أحد عروش الجنوب على غرار ثورة المرازيق و ثورة الرديف (همامّة) و ثورة بن قردان و أخير ثورة سيدي بوزيد الهمَّامية التي إنتهت بثورة عارمة أطاحت ببن علي.
لن يستطيع حاكم في تونس أن ينجح بدون إلمام و إتعاظ بالتَّاريخ و الاخذ بعين الإعتبار نسيجا قبليا إختفى عن الأعين و لكنَّه حاضر في الموروث الشعبي و في أذهنة القبليين. كما أن الطباع و التكوين الذاتي في شخصية الأعراب لن ينمحي بوثيقة إدارية. يجب التنصيص أيضا على أن النسيج القبلي لابد! من إحيائه و تشجيع أنشطته من إعادة للمجالس القبلية (التي هي الآن صورية واهية) و إحتفالات العروش و العناية بالأنساب. فإنّما جعل الله الشعوب و القبائل ليتعارفوا. فكم من العروش المتناحرة لا تعلم أنَّها أرحام لبعضها البعض. بل بلغ الأمر لفضع من هذا حيث تلاحا رجلان في سوق و هما أبناء عمومة!!
يبقى النسيج القبلي أفضل ضمانة عند غياب الدولة و ضعف الوازع الديني. و إنَّ القيم العربية لدى القبائل كالعنقاء تنتفض من رماد مهما حاول البعض طمسها و تمييعها. و تواصل سياسة التهميش لغاية اليوم هي مشروع حرب أهلية تغلي مراجلها و يجاهر البعض بالدعوة إليها من فرط الضيم و التخاذل من قبل السلطة عن إنصاف عرب الداخل.
*شوقي الهمَّامي*
هذا الحال فى تونس الخضراء كما تشاهدون الظروف متشابها والتهميش فى كل دول الشمال الافريقى ماذا لو قامت القبائل العربية مجتمعه بثورة تطالب بوحدة عربية افريقيا بدون سدود ولا حدود !!!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *