أرحموا عزيز قوم    بقلم احسن حجازى                                           

عندما اختل ميزان المجتمع المصري اعتبارا من منتصف الثمانينات بدأ الخلل يدب في أوصال مركزه وأطرافه حيث تزامنت قوانين الاستثمار مع تأشيرة مبارك التي منحها للتيار الإسلامي علي بياض ليعيدوا رسم خريطة الثقافة المصرية لحقها درجات متفاوتة من الإزاحة الاجتماعية التي تمثلت في الهجرة من الريف إلي الحضر ومن مصر إلي دول الخليج والعودة وتغيير نمط الحياة نحو الاستهلاك المبالغ فيه ثم تنامي النشاط الرأسمالي الطفيلي وظهور طبقة جديدة ارتبطت مصالحها المباشرة مع بعض من يمثلون السلطة كل ذلك مهد التربة نحو ضرورة اختفاء الطبقة الوسطي المصرية بمفهومها الحقيقي ودورها التاريخي في الحفاظ علي درجة محددة من اتزان المجتمع والحفاظ علي إنجازاته فالطبقة الوسطى والتي تمثل عصب التغيير في أي مجتمع بل والمسئولة عن توليد النخبة التي من مهامها قيادة التغيير فيما يخص مسألة التحول الديمقراطي أصبح مكانها  طابور البطالة الطويل إما بسبب عدم التوظيف أو بسبب سياسات الحكومة فيما سمي بالمعاش المبكر أو تصفية قوي الإنتاج وبالتالي أثر هذا التغير علي دورها ووظيفتها واستعدادها لممارسة دورا ايجابيا لتقدم الوطن بل والأكثر من ذلك أن النظام السلطوي كان يحرص دائما على تحجيم هذه الطبقة إما من خلال الإفساد أو الحصار والإفقار بشكل جعل قطاعا كبيرا منها ليس فقط مستأنسا وإنما أيضا رافضا للتغيير وأحيانا كارها له لأنه قد يؤثر سلبا على مصالحه وامتيازاته ولا تخلو مؤسسة أو مصلحة من مظاهر هذا الإفساد والإفقار وأهمها على الإطلاق هو ربط الحراك والترقي الاجتماعي بمدى الخضوع للدولة والنظام وعدم التفكير في التغيير وهذه المقايضة هي المسئولة عن عملية التجريف التي حدثت للشخصية المصرية من تعليم وثقافة وإعلام وسياسة وقضاء وجيش وشرطة والتي نرى آثارها ماثلة للعيان الآن في كافة المجالات بل والأسوأ أنها أعادت تشكيل النظام الاجتماعي في مصر ليس فقط بين من يملك ومن لا يملك وإنما بين من يحق له أن يملك ومن لا يحق له فبموازاة هذه المقايضة تم خلق مجتمع موازي يرى في الدولة غنيمة وفي مزاياها حقوق مكتسبة تم على أثرها تشويه القيم الاجتماعية وتنميطها بشكل يخدم السلطة بالأساس وليس المجتمع وهذه المتغيرات وغيرها الكثير أحدث تفريغ الطبقة الوسطي من وجودها الحقيقي بكل ما يعني هذا الوجود من معني متصل باستعدادها لامتصاص مشكلات المجتمع قبل وصولها لمرحلة الأزمة والانفجار صحيح أن من قام بثورة يناير كانوا شبابا من الطبقة الوسطى ولكنهم جيل جديد لم يتلوث معظمه بإرث مبارك ولم تتمكن الدولة من شراء ولائهم مثلما فعلت في الجيل الأكبر فلقد شكلوا أهم قوة في الحراك الديمقراطي لكن وفي ظل التدهور الاقتصادي الذي تشهده البلاد وإجراءات التقشف المرتقبة وإزاء الغموض الذي يكتنف المستقبل السياسي فإن وجود هذه الطبقة أصبح مهددا أكثر من أي وقت مضى ويبدو أن الخيط الرفيع بين الطبقات قد انقطع في مصر.. وأصبحنا نعيش العبث واللامعقول .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *