الأستاذ الدكتور “على جمعة” – المفتى السابق يكتب:”الوسطية” … ماذا تعني ؟ ،

 

 كلمة “الوسطية” في الإسلام أُخذت من قوله تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطالتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة :143] ، وهذهالآية تجعل الوسط في مكان عال يستطيع منه الراصد أن يشاهد من تحته , وأنيشاهدوه – أيضًا -في نفس الوقت ، وهذه الحالة تذكرنا بمن كان في أعلى الجبل؛ وحيث إن المسافة من الوادي إلى قمة الجبل صعودا تساوي تقريبا المسافة منقمة الجبل إلى الوادي وراء هذا الجبل هبوطا ، فيمكن أن يصدق على الواقفعلى قمة الجبل أنه يقف في وسطه . ويؤكد هذا المعنى أن كلمة “الوسط” في لغة العرب: تطلق على الخيار ، وعلى [الأعلى] ، كما في قول رسول الله – صل الله عليه وسلم – في وصفه للجنة (والفردوس أعلى الجنة وأوسطها) [رواه الترمذي] , وقوله (فإذا سألتم الله عزوجل فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة)[مسند أحمد] ، ويزيد فيالتأكيد ما ذهب إليه المفسرون في تفسير قوله تعالى : (مِنْ أَوْسَطِ مَاتُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) [المائدة :89] أي من أعلاها . وكلمة شهيد على وزن فعيل في لغة العرب ، وهو وزن يفيد معنى اسم الفاعلومعنى اسم المفعول جميعا ، وعلى ذلك فشهيد معناها شاهد ومشهود ، فهو يشاهدمن في الوادي وأيضا يشاهده من في الوادي ، وإذا نقلنا هذا المعنى من الحالةالحسية إلى الحاسة الحضرية ، فإنه يجب على الأمة وجوبا محتما أن تشارك فيالحضارة الإنسانية ، وأن يكون لها الريادة والقيادة ، وأن لا تمنع نفسها عنالعالم بعزلة أو تقوقع ، وعلى ذلك فنسقها الحضاري الثقافية نسق مفتوح ،ومن هنا جاءت فكرة أمة الإجابة وأمة الدعوة عند الإمام الرازي ؛ حيث إنالمسلمين يعتقدون أن كل الأرض هي أمتهم إلا أن بعض البشر قد آمن بما أنزلعلى “محمد” – صل الله عليه وسلم – ، وبعضهم لم يؤمن ، فمن آمن أسموه بأمةالإجابة ، ومن لم يؤمن أسموه بأمة الدعوة ، فهم في حالة شهادة دائمة ،ومشهودية دائمة ، يأخذون ويعطون في حراك مستمر ، أو هكذا أوجب الله عليهم. إن هذا النسق المفتوح يفرض علينا أن نفهم العلاقة بين التكليف والتشريف ،فالآيات التي تشرف الأمة وتعلي قدرها هي في ذات الوقت تكليف لها، فقولهتعالى : (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) [المؤمنون :52]. تشريفوتكليف ، (كنتمْ خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكروتؤمنون بالله ولو آمن أَهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأَكثرهمالفاسقونَ) [آل عمران :110] . تشريف وتكليف. وقوله تعالى هنا بالوسطية تكليف وتشريف. وإسجاد الملائكةلآدم تشريف وتكليف ؛ حيث إنه قد كلف بالعلم وتحصيله وبعمارة الأرض وبتقوىالله. والسؤال الآن كيف ننفذ هذا التكليف حتى نصل إلى هذا التشريف ؟ملامح الوسطية في القرآن باعتبارها تكليفًا تتمثل في : العلم وأساسه(إنمايخشى الله من عباده العلماء إن اللّه عزيز غفور )[فاطر :28] (اقرأ باسمربّك الذى خلقَ)[العلق:1] (وقل رب زدنى علما) [طه :114] ، (نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذى علم عليم) [يوسف :76] (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذارجعوا إِليهِم لعلهم يحذرون ) [التوبة :122] (قل هل يستوِى الذينَ يعلَمونوالذين لا يعلمون إنّما يتذكر أولوا الألباب )[الزمر :9] . ( فاسألوا أَهل الذّكرِ إن كنتم لا تعلمون) [النحل :43] والعمل وأساسه : ( وقلِ اعملوا فسيرى الله عملكمْ ورسوله والمؤمنون وستردونإِلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملونَ) [التوبة :105] (هوأنشأَكم من الأرْض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إِليْه إن ربّى قريبمجيب) [هود :61] أي طلب منكم عمارها وما لا ينحصر من الآيات والأحاديث. والاتحاد وأساسه : (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله معالصابرِين) [الأنفال :46] ( واعتصموا بحبل اللَّه جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت اللَّه عليكم إِذكنتم أَعداء فأَلف بين قلوبِكم فأَصبحتم بنِعمته إِخوانا وكنتم على شفاحفرةٍ من النارِ فأَنقذكم منها كذلك يبيّن اللَّه لكم آياته لعلكم تهتدونَ) عمران :103]، (إِن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) [الأنبياء :92] والتعارف بين الخلق وأساسه : (يَا أيها الناس إِنا خلقناكم من ذكر وأنثىوجعلناكمْ شعوبا وقبائل لتعارفوا إِن أَكرمكم عند اللَّه أَتقاكم إِنَّاللَّه عليم خبِير) [الحجرات :13]. ولعله من المفيد أن ندرس خطاب سيدنا “علي بن أبي طالب” – كرم الله وجهإلى مالك بن الأشتر حينما أمره بالذهاب إلى “مصر” لولايتها وإن لم يكن قدوصل إليها ، ويؤخذ منه ملامح هذا التكليف الذي يرقى بنا إلى مرتبة الوسطية.

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *