ننشر حقيقة قتل37 سجينا فى سيارة الترحيلات

ننشر حقيقة قتل37 سجينا فى سيارة الترحيلات

في أغسطس الماضي، مات 37 سجينا مصريا في سيارة شرطة خارج سجن أبوزعبل، مختنقين بالغاز بعد احتجاز 6 ساعات في سيارة الترحيلات في جو الصيف الحار.

الجارديان البريطانية أجرت تحقيقا حول القضية، وأظهرت فيه للمرة الأولى، شهادات الناجين من سيارة الموت.

أجرى التحقيق باتريك كينجسلي

وصية في سيارة الترحيلات

بعد ظهر يوم الأحد 18 أغسطس 2013، نطق المخرج المصري الشاب محمد الديب الشهادتين، ثم أدلى بوصيته، ليس بصفة رسمية إذ لم يكن بحوزته أي أوراق ليوقعها ولم يكن هناك محام، لقد التفت ببساطة إلى الرجل مكبل اليدين إلى جواره، وأوجز له ظروفه المالية وديونه التي تحتاج إلى تسوية إذا مات، وما ينبغي أن يخبر أمه به حول ظروف وفاته.

.كان لمحمد الديب سبب وجيه للخوف على حياته، فقد كان من بين 45 سجينا محتجزين في الجزء الخلفي من شاحنة شرطة ضيقة وحارة في فناء سجن أبوزعبل، شمال شرقي القاهرة، كانوا في الشاحنة لأكثر من ست ساعات.، وكانت درجة الحرارة في الخارج أكثر من 31 مئوية، وبالداخل كانت أكثر سخونة بكثير. لم يكن هناك مساحة للوقوف ولم يكن لدى السجناء أي ماء للشرب. بعضهم انتزع القمصان المنقوعة بالعرق وامتصهّا ، وكان العديد منهم فاقدي الوعي.

معظم الرجال في الشاحنة كانوا من أنصار الرئيس محمد مرسي ، الرجل الجالس بجوار محمد الديب، المضغوط فيه من الزحام، اسمه محمد عبد المعبود، 43 عاما وعضو في جماعة الإخوان المسلمين.

بعد أربعة أيام من الاحتجاجات الحاشدة ضد حكمه الذي استمر عاما واحدا ، أطاح الجيش بمحمد مرسي، في أوائل يولية الماضي، ردا على ذلك، اعتصم عشرات الآلاف من أنصاره في مخيمات خارج مسجد رابعة العدوية شرق القاهرة للمطالبة بإعادة الرئيس. في غضون أسبوع، المساحة خارج رابعة تحولت من مفترق طرق خاوية إلى مدينة مترامية الأطراف تضم سوقا ومستشفى ميداني مؤقت، في قلب ميدان “رابعة” كان تؤدى الصلاة مع دعاء مثير للقلاقل وخطاب طائفي، في أطرافها كانت يقف جيش من الحراس سيئ التجهيز، يرتدون الخوذات الواقية و سترات التايكندو الواقية، واقفين أمام سلسلة من الجدران مبنية من حجارة مأخوذة من الأرصفة، من وراء هذه الحواجز، ومرتين أو ثلاث مرات في اليوم، تخرج مسيرات احتجاج إلى الأحياء القريبة، تغلق الطرق الرئيسية وتشل جزءا كبيرا من المدينة، الاشتباكات بين الشرطة والمحتجين أودت بحياة أكثر من 170 شخص.

للإسلاميين، كانت ” رابعة” واحدة من آخر ما تبقى لهم من رموز الحرية، ولكن بالنسبة للملايين الذين عارضوا مرسي، اعتبروا رابعة مخبأ لمتطرفي العنف الذين يريدون أخذ البلاد رهينة، أصبحت المواجهة حتمية، يوم الأربعاء 14 أغسطس، بعد قليل من الاسدسة صباحا، طوقت الشرطة وجنود المعسكر الذي لا يزال يضم الآلاف من النساء والأطفال، في الإثنى عشر ساعة التالية، قتل أكثر من 900 متظاهر بالرصاص، الكثير منهم بنيران قناصة، مجموعة من المحتجين استخدموا الأسلحة وقتلوا 9 من رجال الشرطة، وفقا لهيومن رايتس ووتش ، ولكنهم كانوا أقل عددا بكثير من الشرطة، التي أثناء اقتحامها الشوارع حول المخيم، اعتقلت الآلاف – ليس فقط من أنصار مرسي، ولكن أيضا العشرات من المقيمين، والعاملين الذين وجدوا في المكان الخطأ، والوقت الخطأ.

فض اعتصام رابعة
يوم الاحد 18 أغسطس، وصل الأستاذ جمال صيام، وهو خبير اقتصادي في جامعة القاهرة، إلى مكتب النائب العام في مصر، هشام بركات، وكان ابنه الأكبر، شريف، قد اعتقل يوم الأربعاء السابق، خلال اقتحام رابعة. ولكن كان “هناك خطأ” كما قال والده للنائب العام، طالبا المساعدة.

لم يكن ”شريف صيام” عضوا في جماعة الإخوان، ولا حتى من مؤيدي مرسي.، بل قال شريف عبر الفيسبوك أن الإطاحة بالرئيس ليس انقلابا، بل ثورة، كان قد زار المخيم في رابعة العدوية مرتين أو ثلاث مرات ، ولكنه شارك أيضا في المسيرات المناهضة لمرسي، وعندما وردت أنباء فض اعتصام رابعة، ذهب شريف – كما يقول والد- من أجل مساعدة الجرحى.

بدرجة ما، تعاطف بركات –النائب العام مع الأب، أعطى والد شريف رسالة ممهورة منه إلى المسؤولين إلى السجن، من أجل “(تسريع إجراءات شريف)، ولكنه ما لم يعرفه بركات ولا صيام، هو أن الوقت كان قد تأخر جدا بالفعل.

فقبل دقائق قليلة، وفي الجزء الخلفي من سيارة الشرطة المكتظة على الجانب الآخر من القاهرة، اختنق شريف صيام – و 36 آخرين، من بينهم الديب – بالغاز حتى الموت.

في اليوم التالي، ظهرت لقطات لسبعة وثلاثين جثة لدى وصولها إلى المشرحة الرئيسية في القاهرة.، وكانت معظم الجثث منتفخة، وجوهها حمراء أو سوداء، كان وجه ديب واحدا من الوجوه القليلة التي لم تتشوه. ولكن وجه شريف صيام كان متورما ومسودا إلى درجة تكاد تمنع التعرف عليه.

تم لوم السجناء، قال مسؤلو الشرطة إن السجناء اختطفوا شرطيا الذي فتح الباب للسماح لهم بالخروج، مما دفع زملائه إلى اطلاق الغاز المسيل للدموع داخل الشاحنة لإجبارهم على تركه. وذهبت وسائل الإعلام الحكومية أبعد من ذلك، زاعمة أن مسلحين تابعين للإخوان قد هاجموا الشاحنة في محاولة لإطلاق سراح المساجين، وأن السجناء توفوا بسبب الاشتباكات الناتجة عن ذلك .
أسبوع الرعب

أيا كانت الحقيقة، دورة الأخبار تحركت بسرعة، في ذلك الأسبوع من الرعب، سرعان ما انشغلت مصر بأعمال وحشية أخرى، ففي اليوم التالي، 25 من المجندين في الشرطة قتلوا بدم بارد في سيناء من قبل متطرفين إسلاميين غاضبين من عزل مرسي، مجازر الأسبوع السابق – في رابعة وفى ميدان رمسيس – لا تزال تهيمن على وسائل الإعلام، وأفعال الانتقام البشعة التي قادها إسلاميون للهجوم على عشرات الكنائس المسيحية ومراكز الشرطة ، أربعة من رجال الشرطة الذين رافقوا الخمسة عشر سيارة ترحيلات في أبوزعبل، تم إحالتهم في وقت لاحق إلى المحاكمة بتهمة الإهمال.، ولكن تلك المحاكمة تأجلت في يناير الماضي إلى أجل غير مسمى – ولا يزال المسؤولين الحكوميين قادرون على الادعاء بأن السجناء يتحملون مسؤولية الوفاة.

ولكن كان هناك ثمانية ناجين من الحادث ، أربعة منهم لا يزالون في السجن، فضلا عن بعض رجال الشرطة الذين اقتادوهم إلى السجن. بعد خمسة أشهر على الحادث، االشهادات التي تم جمعها لأول مرة، تكشف عن قصة مختلفة – أولا حول قسوة الشرطة ، ولاحقا حول التستر على ما حدث، قصة لا تبدأ بعد ظره الأحد 18 أغسطس، ولكن في الأربعاء السابق، عندما كانالـ 45 سجينا من بين آلاف اعتقلوا داخل وحول اعتصام رابعة العدوية .

كانت الشرطة قد اعتقلت شريف في منتصف النهار على بعد بضعة شوارع من الاعتصام، حيث بدأ إطلاق النار قبل ست ساعات، مقطع فيديو التقطه هاوي يظهر شريف في قميص أزرق يقوده ضباط نحو سيارة شرطة، ثم يأتي شرطي آخر ويركه في صدره ويوقعه أرضا .

مثل آلاف المعتقلين الآخرين في ذلك اليوم، اتهم كل متهم بمجموعة من التهم، منها الانتماء إلى جماعة إرهابية (كما أعلنت الدولة في وقت لاحق الإخوان المسلمين) والشروع في القتل، وحيازة الأسلحة الفتاكة، لذا من المستحيل أن تعرف الظروف الدقيقة لاعتقال شريف، ولكن بالنسبة لعائلته، فهذه التهم منافية للعقل، لقد كان مهندس اتصالات، وكان يعمل كذلك مدرب تنمية بشرية، وقبل أربعة أيام من اعتقاله، ظهر على شاشة التلفزيون المصري متحدثا عن كيفية العثور على السعادة في خضم التوتر والاضطراب الذي يسببه للقاهرة معسكر رابعة.

وفقا للناجين، كان شريف صيام واحدا من ثمانية ضحايا على الأقل في أبو زعبل ممن كانوا إما من معارضي مرسي، أو ليس لديهم علاقة مع اعتصام رابعة. وكان شكري سعد، وهو من سكان مدينة نصر، المنطقة المحيطة برابعة، قد اشترى لتوه علاج شهر لمرض السكري عندما تم ايقافه من قبل الشرطة، واشتبهوا أنه يشتري الأدوية للأشخاص المصابين في رابعة. “أنا لست من الإخوان ، أنا حزب وطني” يقال أن سعد صرخ به بهذه الكلمات حين كان محتجزا في سيارة الشرطة.

رجل الشاي

في مكان قريب، كان “طلعت علي” يقدم الشاي للجنود ورجال الشرطة الذين يرتاون من عملية فض المخيم، قرر صاحب مقهى الإغلاق في وقت مبكر، لأن ضباط رفضوا دفع ثمن مشروباتهم، لذلك بدأ علي الطريق إلى منزله. عندما تم إيقافه من قبل نفس رجال الشرطة الذين كان يخدمهم. “مهلا، أنا القهوجي، كنت أقدم لكم الشاي “، وقال ذلك ولكن،أيضا، ألقي القبض عليه.

وسرعان ما انضم إلى “محمد رمزي”، وهو بائع خضار من غرب القاهرة أتى إلى مدينة نصر لبيع الخيار. وأوقف أحمد حمراوي، وهو في طريقه لبيع الملابس في سوق في وسط المدينة، وكذلك “فيق عبد الغني” الذي كان في طريقه للعمل، وسوف يصدر قرار بخصوصه بالإفراج بعد دفع كفالة مالية، ولكنه اقتيد إلى أبوزعبل قبل أن يدفع الكفالة،. وكذلك، كان هناك شخص عضو في “غد الثورة” ، وهو حزب ليبرالي، لقد أصبحت مدينة نصر منطقة عسكرية: تم فرض حظر التجول واعتقال أي شخص يتحرك.

اعتقل محمد عبد المعبود بعيدا عن الاعتصام، وبعد عدة ساعات من توقف إطلاق النار، بينما كان يقود سيارته عائدا إلى المنزل، لقد كان في رابعة من بداية الاعتصام نهاية يونية، عندما بدأ الحصار، مكث في مكانه. مجموعة من أنصار مرسي ردوا طلاق النار على قوات الأمن ، في محاولة يائسة لتأجيل اقتحام القوات التي نشرت القناصة على أسطح المباني المحيطة بالاعتصام، والتي أوقعت من هم أكثر بكثير من فرقة الدفاع الصغيرة.

يقول عبد المعبود إنه مكث هناك لمساعدة الجرحى، بعد الثالثة ظهرا أصبح إطلاق النار مكثفا جدا مما صعب مهمة إنقاذ المزيد من المصابين، التي كرس نفسه لها، وفي وقت لاحق، انضم إلى مجموعة من أبناء بلدته، وهي قرية في دلتا النيل، سمعوا أن أحد الأصدقاء قد أصيب في العملية، وكانوا يبحثون عن جسده في مسجد الإيمان، على بعد بضعة شوارع شرق ما كان مخيم رابعة، في الهواء مزيج غريب من البخور واللحم المتعفن ، رائحة سرعان ما اعتادها عبد المعبود ورفاقه لأنهم أمضوا الليل بين صفوف طويلة من الجثث، بعضها احترق إلى درجة عدم التعرف عليه، مثل حطب في شعلة.

على بعد أمتار قليلة، كان جمال صيام يبحث عن ابنه “شريف”، وقرب منتصف الليل، رأى شريط الفيديو الذي يظهر شريف وهو يتعرض للركل من ضابط الشرطة. “أنا سررت لذلك لذلك، على الرغم من المشهد اللاإنساني “، قال صيام مضيفا”على الأقل كان على قيد الحياة.”

جنازة في الليل

عبد المعبود وأصدقائه عثروا على صديقهم.، وضعوا جثته في الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة وبدأوا العودة إلى المنزل في الشرقية -ساعتين شمال شرق القاهرة – لجنازته. كان هناك نحو عشرين منهم يجلسون فوق حول الجثمان، يشقون طريقهم عبر الظلام. بعد عشرة أميال من الرحلة، تلوح في الأفق نقطة تفتيش تابعة للجيش في المصابيح الأمامية، حظر التجول كان قد بدأ للسيطرة على الاشتباكات العنيفة، وكانوا هكذا “يكسرون الحظر”،يضيف عبد العزيز أن “الجنود أنزلونا وبدأو مضايقتنا : من أين جئتم بالجثمان؟ هل لديكم إذن لدفنه؟”

أخذ الجنود أشياء الرجال وأموالهم، واستدعوا الشرطة، بعد ساعة، أطلق سراح معظم القرويين، واستبقوا خمسة، على ما يبدو عشوائيا. كان عبد المعبود واحدا منهم؛ وكذلك عبد المنعم، وهوطبيب، ” قالوا إن لديهم أوامر اعتقال بخصوصنا” قال الثالث، محمد سيد جبل، وهو صيدلي يبلغ من العمر 29 عاما. “وكان ذلك مفاجئا، لأن أيا منا لم يكن لديه مشكلات مع الشرطة من قبل.”

تم أخذ الخمسة إلى مركز الشرطة في مصر الجديدة، شمال شرق القاهرة، على بعد بضعة مئات من الأمتار من القصر الرئاسي، هناك، كانوا متهمين بحمل جثة دون تصريح، وبالتخريب، وألقوا بهم في زنزانة مزدحمة تماما مع طلوع الفجر.

سجن في ستاد القاهرة

حسين عبد العال، وهو مسؤول سابق يبلغ من العمر 60 عاما في شركة نفط مصرية، قضى ليلته محتجزا فيؤ ملعب لكرة القدم مع الآلاف من السجناء الآخرين: لقد اعتقلوا الكثير من الناس داخل وحول رابعة ونقلوهم لاستاد القاهرة مساء الأربعاء، إلى أن توفرت مساحة في مراكز الشرطة في المدينة.

وكان عبد العال وصل إلى رابعة قبل ساعات قليلة من فضها، حين بدأت الشائعات بأن الجنود سوف يفضون الاعتصام في الصباح، لقد أراد – بشكل رمزي- أن يكون هناك عندما يسقط الاعتصام، أراد أيضا أن أن يكون إلى جوار ابنه رمزى، مسؤول الإخوان الذين كان في المخيم منذ البداية.

حين بدأ الفض العنيف، قتل رمزي برصاصة قناص من أعلى مبنى مجاور “كنا بعيدين عن خط المواجهة، ولكن ابني نال رصاصة في جبهته،” والده يتذكر في وقت لاحق ” وخرجت من مؤخرة جمجمته.” أصدقاء رمزى أخذوا جسده إلى المستشفى الميداني في زاوية المخيم، ولكن عندما امتلأ المبنى بالغاز المسيل للدموع، اضطروا للتحرك، وتمكنوا من العثور على سيارة لنقلهم الى مستشفى خاص.

استوقفت سيارتهم من قبل ضابط بالجيش، الضابط أمر عبد العال بالنزول “،توسلت إليه أن يسمح لي بالبقاء”، ”قلت له:” أنا على استعداد لتقبيل قدميك – فقط اسمحوا لي بالبقاء مع ابني “. ولكن تم القبض عليه واقتيد إلى استاد القاهرة، حيث تسلمته الشرطة وعاملته “مثل حيوان، ضربوه وشتموه” وصادروا أمواله وهاتفه المحمول.

في مكان آخر على أرض الملعب، التقى شريف صيام شخصا كان لا يزال يحتفظ بهاتفه، استخدامه ليكتب على فايسبوك مكان وجوده : ” إلى كل من يقرأ هذا ، أخبر والدي أنني في استاد القاهرة”

عندما انتهى حظر التجول صباح اليوم التالي، بدأ جمال صيام محاولة العثور على محام للمساعدة في الافراج عن ابنه. ولكن أصدقاء صيام – الذي كان فيما مضى مستشارا لوزارة لازراعة في عهد مبارك – لم يتجرؤا على الدفاع عن ابنه “كل محام”، يقول صيام: “كان قلقا بشأن ما قد يبدو كمساعدة للاخوان المسلمين.” حتى ذهب صيام إلى الملعب وحده، ولكن حين وصل صباح الخميس، كان شريف قد نقل بالفعل إلى قسم شرطة مصر الجديدة.

زنزانة ضيقة

كان عرض الزنزانة 3 أمتار، وكانت مكتظة تماما بالسجناء وفقا لعبد المعبود، خلال الأيام الثلاثة المقبلة كان عدد السجناء داخلها يصل إلى 38 سجينا ، كانت أضيق من أن يستطيعوا الاستلقاء جميعا على الأرض، لذلك كانوا ينامون بالتبادل في نوبات. وسُمح لهم بالخروج مرتين في اليوم، كي يتم عدّهم، آخر واحد يخرج من الزنزانة كان يتم ضربه، “كنا نتحرك كالأغنام نتعثر وندوس بعضنا البعض لخوف كل شخص أن يكون آخر واحد”، يقول عبد العال.

في إحدى الليالي وبسبب الحرارة الشديدة، خلع معظم الرجال ملابسهم وبقوا بالداخلية فقط، أما شريف فقد خلع قميصه وبدأ تحريكه مثل “المروحة” محاولا تحسين الوضع للمحتجزين، يقول عبد المعبود.

رغم أن معظمهم كان في رابعة، فإن الغالبية لا يعرفون بعضهم بعضا، لذلك فقد قضوا الخميس إلى يوم الأحد يروون لبعضهم البعض قصص اعتقالهم . الناجون تذكروا شريف لحسه الفكاهي “اعتاد أن يمزح – فقط مزاح بسيط”، يقول سيد الجبل “لا محادثات عميقة”.

بعد زيارة ثلاثة مراكز شرطة مختلفة، وصل جمال صيام وعائلته أخيرا يوم الجمعة إلى مكان شريف في قسم مصر الجديدة. نفت الشرطة في البداية أنه كان في الداخل، ولكن بعد بعض الجدل سمحوا لهم برؤيته. شريف لم يتحدث كثيرا، ولم يقل الكثير عن كيفية اعتقاله، لكنه انهار في البكاء في أحضان والده.

وكان شريف هادئا عندما عاد إليه والده مساء السبت. يضيف الأب “طلب منا أن نجلب له فرشاة أسنان وأدوات للنظافة الشخصية”، يضيف صيام. “طلب منا إحضار الآيس كريم للجميع.” كانت تلك آخر مرة يتحدثان فيها.

في حوالي 06:30، مساء الأحد 18 أغسطس، تم تكبيل السجناء في 45 زوجا، محمد عبد المعبود تم ربطه إلى رجلين. الخمسة من الشرقية كانوا آخرمن تم حشرهم في الشاحنة، التي كانت اكتملت بالفعل حين جاء دورهم لركوبها .

”قلت للضابط: كيف سنستطيع الركوب هناك؟” يقول سيد جبل. ” قال لنا الضابط أن السيارة تتسع لسبعين شخصا، ودفعنا إلى الداخل.” وقال تقرير فني أمرت به النيابة العامة فيما بعد أن أقصى سعة للشاحنة كانت 24 فقط . وكان بداخلها يومها 45 شخصا تم حشرهم، حتى أن الشرطيون كافحوا كي يتمكنوا من إغلاق الباب.

أبوزعبل

بعد ما يزيد قليلا على الساعة، وصلت سيارة الشرطة والسيارات الأخرى المرافقة إلى السجن، بداخلها كان الرجال مسحوقين ضد بعضهم البعض، ومعظمهم لا يستطيع الوقوف بشكل صحيح.، يضيف عبد المعبود “عند المطبات، كنا نندفع جميعا لأعلى ولأسفل” .

ساءت الأمور أكثر حين وصلوا إلى فناء السجن. فأثناء الطريق كان الهواء يتحرك عبر النوافذ الأربعة لشاحنة الشرطة فيتمكنون من التنفس، لكن حين توقفت سيارة الترجيلات في فناء السجن، توقف اندفاع الهواء، وبدأ السجناء يكافحون من أجل التنفس.

ما حدث بعد ذلك كان موضع التحقيق، موقف السجناء الباقين على قيد الحياة تعززه شهادة أحد الحراس. وهو الشرطي/ الرقيب “عبد العزيز ربيع”، الذي رفض إجراء مقابلة مع الجارديان حول هذا التحقيق ، ولكن تم الكشف عن شهادته للنيابة من قبل محامي الورثة، وأكدها مصدران آخران في الشرطة .

ادعى عبد العزيز أن أنابيب التهوية في سيارة الترحيلات قد انكسرت. ولكن المقدم عمر فاروق، قائد القافلة، قال إنه تفقد شخصيا نظام التهوية ووجده يعمل .

درجة الحرارة قرب السجن في ذلك اليوم بلغت 31 درجة. أجبر الرجال 45 في سيارة الترحيلات الانتظار إلى أن يتم تسليم الأكثر من 600 من معتقلي رابعة إلى سجن أبوزعبل، كان هناك نحو 15 شاحنة تنتظر في الفناء وأخذت كل واحدة حوالي نصف ساعة لتفريغ ركابها: مع الوضع جانبا الوقت الذي تستغرقه عملية “الترحيب بالسجناء” التقليدية، أي ضربهم وهم يغادرو نلامركبات، سيارتهم كانت رقم رقم 11 في طابور السيارات، كان أمامهم انتظار طويل.

يقول الناجون أن الحرارة أصبحت لا تطاق. كانوا يقفون على ساق واحدة، ملابسهم منقوعة في العرق. “بدأنا في الافتقار إلى الأكسجين”، يقول عبد المعبود “، وبدأ الناس في الصراخ طلبا للمساعدة. بدأنا نحدث ضجيجا على الجدران، بدأنا بالصراخ، ولكن لا مجيب.”

أسماء نساء

مع مرور الوقت، تأثر حسين عبد العال البالغ من العمر 60 عاما، وشكري سعد، مريض السكري” شعرت أنني أموت”، قال عبد العال، الذي خضع لجراحة القلب المفتوح قبل عامين. “بعد فترة من الزمن، ورأيت أن عيون سعد قد بدأت تتسع وبدأ يغيب عن الوعي . أخذنا نصرخ أن شخصا يحتضر . ردوا علينا بأنهم يردون لنا جميعا أن نموت “

وفقا للناجين، بدأ رجال الشرطة يسخرون من السجناء. ” قالوا لنا أن نشتم الدكتور مرسي، كي يسمحوا لنا بالخروج ، قال عبد العال “هكذا بدأ الشباب يشتموه ولكن بعد ذلك [الشرطة] قالوا لا يمكن أن نغادر، ثم قالوا : اطلقوا على أنفسكم أسماء فتيات، البعض فعل ذلك، فقالوا لنا: نحن لا نتحدث مع نساء”

في أقواله للنيابة، عبد العزيز لم يذكر أي إهانة من رجال الشرطة للموجودين في الشاحنة، لكنه قال أن المجندين الذي كانوا يحرسون السيارة طلبوا مرارا وتكرارا من قادتهم الضباط الأربعة – الذين كانوا يشربون الشاي بعيدا بعض الشيء – منحهم الإذن لفتح أبواب الشاحنة وإعطاء ماء شرب للسجناء “يقول عبدج العزيز” الباط رفضوا جميع الطلبات عدا مرة واحدة، في موقت ما بين 10:00 و 11:00 صباحا، بعد حوالي أربع ساعات من الانتظار ، قدموا لهم الماء”.

في البداية، الشرطة لم تفتح الباب لأنهم فقدوا المفتاح. واستخدم الملازم محمد يحيى قطعة من الخردة المعدنية استطاع بها تحطيم قفل الباب. وظل معظم السجناء في الداخل. وسمح فقط لعبد العال، الذي كان واقفا بجانب الباب، بالوقوف لفترة وجيزة على الحافة والرش بالماء. ثم دفع ثانية الى الداخل. وحين تحركت السيارات الأخرى فتحت أبوابها إلى داخل جدران السجن، أما سيارتهم هم فقد أعاد رجال قسم مصر الجديدة إغلاقها مجددا بواسطة “الكلبشات”.

ادعى قائد القافلة، المقدم فاروق، أنه سمح للسجناء بالخروج ثلاث مرات، وهو ما نفاه كل من الناجين، والشرطي عبد العزيز، الذي، باستثناء ذهابه إلى المرحاض لمدة عشر دقائق، كان يصاحبهم طوال اليوم. وفي نهاية المطاف، يقول”بدأن كحراس نجلب الماء في زجاجات، ونسكبه للمساجين من خلال النوافذ”.

داخل الشاحنة، في حرارة منتصف النهار، وصل إلى نقطة الانهيار، العديد منهم بدأ يهذي، وبعضهم يطلب من البعض الآخر تسليم الرسائل إلى ذويه، ” بدأوا يفقدون الوعي، واحدا تلو الآخر”، يقول سيد جبل. ويضيف “بالطبع، الأكبر سنا انهاروا أولا، وبدأ الآخرون يحدثون ضجيجا أكبر وأكبر، وفي الخارج استمروا يضحكون ويشتمون مرسي”

وأضاف الرقيب عبد العزيز، أنه كان واضحا عند تلك اللحظة أن الأوضاع داخل الشاحنة بدأت تتسبب في اختناق السجناء، لكن الضباط الأربعة ظلوا – حسب زعمه – يرفضون فتح الباب، في النهابة ساد الصمت في الشاحنة، انهار معظم النزلاء.

بعد مرور بعض الوقت، في الواحدة ظهرا، السجناء الذين كانوا لا يزالون في وعيهم، سمعوا النداء عليهم بالخارج. كان دورهم للنزول، ويبدو أن الأصوات تطلب منهم الاستعداد لتسليم أي من الأشياء الثمينة الباقية لموظفي السجن. ولكن كان القليل من ركاب السيارة يستطيع الوقوف.

رواية ورواية أخرى

ما حدث تاليا، هو موضوع روايتين متضاربتين إلى حد كبير، قال المقدم فاروق ومعظم مرؤوسيه للمحققين أنه عندما فتحوا الباب أخيرا، تم سحب الملازم يحيى واحتجازه داخل السيارة من قبل السجناء، وأن الفوضى استدعت المزيد من رجال الفشرطة من السيارات الأخرى في القافلة، وأن عبد العزيز وزميل آخر أصيبا في محاولة لانقاذ يحيى، وأثناء ذلك، وفي محاولة إخضاع شغب السجناء، أطلق أحد رجال البوليس الغاز من عبوة محمولة ، تُصرف للضباط للدفاع عن أنفسهم، من خلال أحد نوافذ الشاحنة، ويضيف فاروق، أن الملازم يحيى واثنين آخرين أذخوا إلى المستشفى للعلاج من آثار الغاز، بينما عولج عبد العزيز من جروح في الوجه”.

ولكن، وفقا للناجين وللرقيب عبد العزيز، هذه الرواية للأحداث هي محض تلفيق. “هذا لم يحدث”، يقول عبد العزيز، الذي ادعى أن ضابطا ضربه فيما بعد في جميع أنحاء وجهه كي يبدو كما لو كان قد وقع صراع.

“دعونا نكون منطقيين” يقول عبد المعبود. “كنا منهكين للغاية، لم نتمكن من مجرد السير ، معظمنا انهار داخل الشاحنة. فقط خمسة أو ستة منا كانوا قادرين على الوقوف. كيف كان ليمكننا أن نهزم ضابطا؟”

لم تستجب وزارة الداخلية المصرية لطلبنا الحصول على تعليق، أو لإجراء مقابلات مع الشرطة وموظفي السجن، ولكن شهادة الرقيب عبد العزيز تشير إلى أن السجناء لم يكن في أي حالة تسمح بخطف أحد الحراس.

عبر النظر خلال النافذة الخلفية للشاحنة، كان المشهدا مروعا. “الجميع متراجع للداخل وملقىون فوق بعضهم البعض” قال عبد العزيز.

كانوا أحياء

الدكتور هشام فرج، المتحدث باسم المشرحة ( زينهم) ، حيث ستؤخذ فيما بعد السبعة وثلاثين جثة، يقول إن” الرجال كانوا لا يزالون على قيد الحياة عندما تم إطلاق الغاز، لأننا عثرنا على آثار للغاز ” سي إس “في دماء جميع الجثة، إنه يتشك في اسطوانة غاز واحدة للدفاع عن النفس تستطيع وحدها قتل كل هلاء الرجال، ولكن يمكن لها أن تكون القشة التي قصمت ظهر المجموعة التي كانت تفتقد بالفعل الأوكسجين الكافي من فترة طويلة”

.

يقول دكتور فرج: “قررنا أن الشرطة هي المسؤولة عن كل هذه الخسائر، لأنهم وضعوا في السيارة 45 سجينا، وهو عدد كبير جدا، لأن السيارة يجب أن لا تحمل أكثر من 24 شخصا”، وقال فرج في شهادة مكتوبة للجارديان “كان هناك نقص في الأكسجين، أدى إلى سرعة الوفاة نتيجة استخدام الغاز المسيل للدموع.”

لم يكن من داع لإغلاق الباب، فقد كان السجناء ببساطة غير قادرين على الحركة، كان معظمهم فاقدا للوعي، كما يقول الناجون، وكان القلائل الذين لم يفقدوا وعيهم مكبلي الأيدي إلى من فقدوا وعيهم.

”، حاولت أن أوقظ أحدهم بيدي الحرة” يقول عبد العال، الذي كان لا يزال بالقرب من الباب. “لقد لكتمه، ليسامحني الله، لكنه لم يستجب”.

عبد المعبود ظل يغيب ويعود إلى وعيه، “بدأ الضابط يسألنا: من وراء الباب؟ “يتذكر. ويضيف “لم نكن قادرين على التعامل مع الوضع، كنا في وضع غريبة جدا، وغير قادرين على التحرك”

أحضروا “عتلة” من السجن لكسر الباب، وحين لم تنفع، بدأوا يثقبوه. في النهاية، استطاع رجال الشرطة مواربة الباب قليلا، وضغط يحيى نفسه إلى الداخل، يقول عبد العزيز، وبعد ذلك بدأ سحب السجناء من خلال الفتحة الصغيرة. ثمانية منهم بقوا على قيد الحياة، تضررت جلودهم بشدة.

”بمجرد أن خرجت إلى الهواء النقي، لم أعد أشعر بشيء وسقطت على الأرض”، يقول سيد جبل. “ثم بدأوا في ضربنا. وقفوا على الجانبين وضربوني وأنا على الأرض.”

حين تم إخراج القريبين من الباب، استطاعت الشرطة أخيرا أن تدخل الشاحنة نفسها ”وجدت السجناء ملقون فوق بعضهم البعض “، يقول عبد العزيز. وكانت هناك رائحة سيئة – وبينما يساعد في إخراج عشرة آخرين خارج الشاحنة، أدرك الجقيقة الرهيبة: معظم هؤلاء الرجال أموات. “حينها”، يقول عبد العزيز، “سادت الفوضى”.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *