%60 من مزارع تربية الدواجن غير مرخصة.. والمجازر الرسمية تغطى نحو %45 من الإنتاج.. ومازال الخطر مستمراً

%60 من مزارع تربية الدواجن غير مرخصة.. والمجازر الرسمية تغطى نحو %45 من الإنتاج.. ومازال الخطر مستمراً

 

«ممنوع منعا باتا بيع أو تداول الطيور أو الدواجن إلا بعد ذبحها فى مجازر مرخصة من قبل وزارة الزراعة».

هذه هى القاعدة الأساسية تقريبا التى يتمحور حولها قانون 70 لسنة 2009 الخاص بتداول وبيع الدواجن فى مصر، الذى صدر حينئذ لمكافحة انتشار أنفلونزا الطيور ومحاصرة المرض، حيث يبدأ بعدم تربية الطيور إلا فى أماكن مرخصة ومنع الذبح إلا بالمجازر التى ترخصها وزارة الزراعة أيضا بينما تناول القانون فى بقية مواده حق الهيئة العامة للخدمات الطبية فى إعدام أى بؤرة محل الإصابة، فضلا على تحديد الغرامات التى تبدأ من ألف حتى 10 آلاف جنيه، وغلق الأماكن غير المرخص لها بالذبح لمدة تصل إلى 3 أشهر ومصادرة الطيور لحساب وزارة الزراعة.

هذه هى القاعدة القانونية، التى ظلت حبرا على ورق، بعد أن أظهر الواقع أن تنفيذها مستحيل، واتضح من التجربة أن هناك ضرورات ملحة وعوامل موضوعية لا يمكن للقانون أن يصبح فعالا من دونها، وهذا ما يكشف عنه التحقيق التالى.

فى عام 2010 استيقظ مستثمرو الثروة الداجنة من صغارهم إلى كبارهم على صدور اللائحة التنفيذية للقانون وتقضى بالمنع الفورى لتداول أو بيع الدواجن الحية فى كل من «القاهرة والجيزة و6 أكتوبر والإسكندرية» إلا إذا كانت مصحوبة بتصريح من الهيئة العامة للخدمات البيطرية لتثبت خلوها من أنفلونزا الطيور واستيفاء هذه المحلات للاشتراطات الصحية للتربية، على أن تعطى اللائحة مدة سنة كفترة انتقالية لمحال الدواجن والمزارع لتقنين أوضاعها، وبناء ما يلزم من مجازر مستوفاة للاشتراطات والتراخيص.

كان هذا كله ما توصلت إليه المجموعة الوزارية العاجلة التى تشكلت فى هذه الفترة لمواجهة فيروس الأنفلونزا، وإنقاذ الثورة الداجنة التى تصل إلى 780 مليون فرخ سنويا، وقتها قامت الدنيا ولم تقعد، واعترض أصحاب المحال الذين اعتبروا أن الذبح فى المجزر لا يناسب طبيعة المستهلك المصرى الذى «يريد أن يرى كل فرخ على الطبيعة» – كما قال أحدهم – كما احتج أصحاب المزارع الذين أعلنوا عن انخفاض أعداد المجازر المرخصة مقارنة بحجم الإنتاج، وهو ما يعنى إعدام ما يزيد على مليون فرخ يوميا، فضلا على عدم قدرتهم على إنشاء مجازر خاصة بالذبح، الأمر الذى دفع عددا من المستثمرين على الجانب الآخر للإقبال على إنشاء مجازر خاصة، خصوصا أن «السوق تحتاج ذلك» – على حد قولهم – وما بين هذا وذاك هرعت الأجهزة الحكومية إلى النزول إلى المحال والمزارع غير المرخصة وإعدام الدواجن فيها إذا ما تم الشك فيها للإصابة.

اليوم وبعد مرور 4 أعوام على إصدار قانون 70 وفى ظل عودة انتشار بؤر الإصابة بالأنفلونزا بين الطيور، لم تختف فوضوية المشهد الذى يكشف أن القانون كان مجرد حبر على ورق، فالطيور الحية مازالت تباع فى المحال، و%60 من مزارع تربية الدواجن غير مرخصة وفقا لتقرير الهيئة العامة للخدمات البيطرية، والمجازر المرخصة مازالت أقل بكثير من نسبة الإنتاج، فالموجود لا يغطى سوى %46 فقط من حجم الإنتاج الفعلى لدجاج التسمين، وهو الأمر الذى كشفته دراسة مركز المعلومات واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء 2013، والذى أوضح أن مصر فى حاجة إلى إنشاء 33 مجزرا جديدا لتغطية محافظات الجمهورية، وهو ما يحتاج إلى تكلفة تصل إلى 582 مليون جنيه، أما من سولت له نفسه من القطاع الخاص إنشاء مجزر خاص ففى ظل عدم تنفيذ القانون، وبالتالى عدم التزام أصحاب المزارع بالذبح فى المجازر، تحولت المجازر الخاصة إلى خرابات، أجهزتها معطلة وأموالها مهدورة، وأصحابها على شفا أمتار من السجن.

حتى الآن لا توجد خطوة تنفيذية من وزارات الزراعة فى الحكومات المتعاقبة منذ صدور القانون، وهى الجهة الأولى المسؤولة عن تنفيذ القانون، ترمى إلى نية تطبيقه على أرض الواقع، ويقتصر الأمر على تنفيذ بعض الغرامات على أماكن غير مرخصة، وإعدام أخرى فى بؤر تربية منزلية، وذلك مع كل مرة تثير فيها وسائل الإعلام موضوع أنفلونزا الطيور عقب ظهور حالات مصابة بالأنفلونزا الموسمية تنتهى بانخفاض موجة إثارة الموضوع «لتعود ريما لعادتها القديمة» من جديد.

منذ أيام أعلنت الهيئة العامة للخدمات البيطرية عن اكتشاف فيروس الأنفلونزا بين الدواجن فى 3 بؤر جديدة، لتضاف إلى 16 بؤرة أعلنت عنها فى تقريرها الشهر الماضى، الذى قالت فيه إن الإصابة تعود إلى «التراخى فى إجراءات حماية الأراضى الزراعية، وتزايد مخلفات إقامة مزارع الدواجن فى الأراضى خصوصا الدلتا ووادى النيل، خصوصا فى محافظات المنوفية والغربية والدقهلية والجيزة والفيوم وبنى سويف». اكتشاف الهيئة للبؤر المصابة التى تعتمد فيها على فرق استطلاع تسمى الكاهو منتشرة بين مزارع تربية الدواجن، يعقبها قيام أطباء بيطريين بالهيئة بإعدام الطيور المصابة وما فى نواحيها، وبالتالى القدرة على احتواء انتشار الفيروس، الغريب أن هذا الدور يقتصر على %40 فقط من مزارع تربية الدواجن فى مصر، حيث تعمل المزارع الباقية «%60 من المزارع» بدون ترخيص، وبالتالى بدون فحص أو تحصين.

الدكتور فتحى النواوى، أستاذ الرقابة الصحية على اللحوم ومنتجاتها بكلية الطب البيطرى جامعة القاهرة، يعتبر أن مربى الدواجن، سواء كان منزليا أو محلا أو مزرعة، والذى يعمل بدون ترخيص، لن يوقفه أحد إذا قام بذبح الطيور بمجرد أن يظهر عليها الأعراض وبيعها سريعا فى شكل مجمد، قائلا: «وقتها يكون الفيروس فى كل جزء من لحمها، وبالتالى من يتناوله أو يتعامل معه ينتقل إليه الفيروس على الفور، وهنا لا نستطيع تحجيم انتشار الفيروس».

النواوى أوضح أن ذبح الطيور فى المجازر المرخصة وفقا للقانون يعنى تحصينها بمجرد وجودها فى المزرعة، فضلا على فحصها أثناء التربية وقبل الذبح وبعده أيضا، وهو الأمر الذى لا يقى من أنفلونزا الطيور فقط، بل من العديد من الأوبئة التى تصيب الطيور وتنتقل للإنسان أيضا، وإن كانت أقل خطورة من الأنفلونزا الموسمية.

حتى المجازر المرخصة وفقا للنواوى لا تخلو من المشاكل التى يعتبر أن أهمها هو تعيين صاحب المجزر لأطباء بيطريين بمعرفته، وليس من جهة الهيئة العامة للخدمات البيطرية وهو الأمر الذى يؤدى إلى «تضارب مصالح» – على حد قوله – ويضيف: «أنفلونزا الطيور أصحبت من الفيروسات التى أعلنتها منظمة الصحة العالمية كموسمية، وهذا معناه أن التحصين الموسمى لا غنى عنه بدءا من 2010 عقب الإعلان، ولأن الفيروس انتقل للإنسان بالفعل يجب أن نتوقع ظهور سلالات جديدة منه كل عام لتحوره داخل الطائر المصاب أو الإنسان، وهو الذى تعلن عنه منظمة الصحة العالمية فى شهر مارس لكى تستعد شركات الأدوية لإنتاج مصل يواجه السلالة الجديدة، ويكون جاهزا فى بداية الشتاء لتحصن الطيور». هنا، ووفقا للنواوى، يأتى دور وزارة الزراعة فى شراء هذه الأمصال وتطعيم الطيور فى بداية موسم الشتاء ضد سلالة الأنفلونزا الشائعة، قائلا: «هذا قد يحدث فى الأماكن المرخصة التى تقع تحت إشراف الوزارة ومديريات الطب البيطرى وهيئة الخدمات البيطرية، لكن الأزمة فى المزارع غير المرخصة والتربية المنزلية والمحال التى تقوم ببيع الطيور حية أو تقوم هى بالذبح، وليس فى مجازر مرخصة، وهذه جميعا ليس من المنطقى بعد 4 سنوات من القانون أن تظل فى العمل كما هى بدون تدخل الأجهزة المعنية لإيقافها».

وفى سياق متصل فإن «محمود. ن»، صاحب أحد محال بيع الدواجن بمنطقة العمرانية بالجيزة، دافع عن نشاطه بأن الزبون المصرى يفضل ذبح الدواجن قبل الشراء مباشرة، وأن إلزام القانون بالذبح فى المجازر قد يفيد أصحاب المزرعة، أما هو كصاحب محل صغير، على حد وصفه، القانون بالنسبة له خراب ديار، وهو أمر يضر الآلاف من أصحاب المحلات الصغيرة مثله.

محمود أوضح أنه يقوم بالدفع للموظفين للتغاضى عن عدم قانونية نشاطه، وهو الأمر ذاته الذى تقوم به المزارع غير المرخصة، وفقا لما أوضحه عاطف القاضى، صاحب مجزر خاص، موضحا أن مجزره الذى تحول إلى خراب كان من المفترض أن يستقبل نصف مليون فرخ سنويا وفقا لدراسة الجدوى التى أعدها قبل إنشاء المجزر، وهو العدد الذى لا يكفيه الذبح فى المجازر الحكومية، لكن المزارع «تستسهل» وتقوم ببيع الدواجن حية لتجار التجزئة، متجاهلة القانون أو لائحته التنفيذية، وهو ما أدى إلى توقف العمل فى مجزره بعد شهر واحد من الإنشاء لعدم وجود دواجن، مضيفا: «إذا أردت تشغيل المجزر من جديد يجب أن أقوم بشراء الدواجن، وهو ما لا أستطيعه لعدم وجود سيولة مادية وكثرة المديونيات علىّ، والتى قد تؤدى بى إلى السجن». المخالفات على مدى الأربعة الأعوام الماضية لم تقتصر على القانون أو لائحته التنفيذية فقط بل امتدت حتى للقرارات التى صدرت فى أعقابه، مثل ما أصدره مجلس المحافظين فى جلسته رقم 17 بشهر يوليو 2009، بتحويل محلات بيع الطيور إلى نشاط بيع الدواجن المثلجة أو المجمدة ومساعدتها على تغيير النشاط، وقرار وزير الزراعة رقم 1002 لسنة 2009 بغلق جميع مزارع الدواجن غير المرخصة بعد انتهاء الدورة الإنتاجية الحالية ويفوض المحافظين فى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ ذلك مع إمكانية تغيير النشاط ومنح أولوية لهذه المزارع فى تخصيص أراض بالمناطق الصحراوية لإقامة نفس النشاط فى المخطط الجديد.

دكتورة سلوى شكرى، رئيس جمعية مصر الجديدة لحماية المستهلك، أوضحت أن القانون لم يتم تفعيله إلا شهوراً قليلة عقب إقراره، ثم توقف بعد ذلك وعادت الحياة كما هى سواء فى التربية المنزلية أو المحال أو المزارع غير المرخصة، موضحة أن إمكانيات جمعيات حماية المستهلك تقتصر على رفع الوعى لدى العاملين فى كل هذا بالحفاظ على نظافتهم الشخصية وارتداء ملابس واقية والتطهير بعد التعامل مع الطيور.

شكرى أوضحت أن الجمعيات غير قادرة على منع هذه المحال عن العمل أو وقف التربية المنزلية، لكنها تقوم بأضعف الإيمان، وهو التفتيش عليهم ورصد أخطائهم وتوجيههم إلى تصحيحها، مشيرة إلى أن أبرز المخالفات تجدها فى المحال على سبيل المثال فى التخلص من الفضلات فى الصرف الصحى، وعدم نظافة الأماكن التى يتم الذبح فيها، مشيرة إلى أن الأكثر تفاعلا مع تغيير سلوكياته هم مربو الطيور فى المنزل، مفسرة ذلك بأنهم أدركوا أن الفيروس يمس سلامتهم الشخصية والمحيطين بهم.

وأنهت شكرى حديثها بأن التصدى لمخالفى القانون إذا لم يأت من المسؤولين فيجب أن يأتى من المستهلك الذى يجب أن يختار جيدا المحال التى يشترى منها الدواجن، وأن يراعى الخطوات الصحية للقضاء على أى ميكروبات فيه، بداية من ارتداء جاوندى، ونقع الدواجن فى ماء وخل، وجودة السلق، والتأكد من عدم وجود أى آثار للدم فيه.

2006
مارس.. ظهور أول حالة مصابة بأنفلونزا الطيور فى مصر.

2008
يناير .. اللجنة تقرر إعدام كل الطيور ومخلفات المزارع التى تثبت إصابتها بالمرض ومنع التربية المنزلية وإغلاق المزارع غير المرخصة واستيراد 25 مليون جرعة مصل لأنفلونزا الطيور مقابل مليون يورو، بينما تعلن وزارة التنمية المحلية عن عجزها عن تنفيذ قانون منع تربية الطيور والدواجن بالمدن.
ومنظمة الصحة العالمية تعلن أن مصر تحتل المركز الثالث عالميا فى معدلات الوفيات بأنفلونزا الطيور.

فبراير .. اللجنة تقرر تحصين الطيور مجانا بالمنازل وتوفير الأمصال بأجر رمزى للمزارع، ووزارة البيئة تطلق حملة إعلانية وتوعوية عن الفيروس وتحصين الدواجن بتكلفة 70 مليون جنيه، وباحثو المركز القومى للبحوث يعلنون إنتاج مصل محلى لمواجهة أنفلونزا الطيور.

مارس .. اللجنة تعلن سيطرة مصر على انتشار الفيروس.
تقرير الهيئة العامة للخدمات البيطرية يكشف أخطاء الحكومة فى التعامل مع عمليات التحصين وتخزين اللقاحات.

إبريل .. اللجنة تعلن تخصيص 188 مليون جنيه لمواجهة الفيروس، والخدمات البيطرية تكشف نقص اللقاح، وعدم توفير سوى 36 مليون جنيه.
منظمة الصحة العالمية تنتقد أسلوب عمل اللجنة المصرية القومية لمكافحة انتشار الفيروس.

ديسمبر.. اللجنة تطرح خطتها لمواجهة الفيروس بالبدء فى برامج توعوية وتفعيل دور الرائدات لإقامة 14 مليون زيارة منزلية، وعقد دورات تدريبية للأطباء والبيطريين.

2009
مايو .. اللجنة تطالب بزيادة المخزون الاستراتيجى من عقار التاميفلو من 2.5 مليون إلى 4.8 مليون جرعة.

أغسطس .. إدارة البنك الإسلامى للتنمية توافق على منح مصر قرضا بقيمة 10 ملايين دولار لدعم جهودها فى مجال مكافحة أنفلونزا الطيور.

ديسمبر.. اللجنة العليا تقرر مكافحة أنفلونزا الطيور فى بعض المحافظات من خلال أئمة المساجد والقساوسة فى الكنائس.

2010
مارس .. اللجنة تحمل «التربية المنزلية» مسؤولية انتشار أنفلونزا الطيور وانحسارها بنسبة %85.

يوليو .. اللجنة تعلن عدم القدرة على تنفيذ قانون 70 لسنة 2009 لقلة مجازر الطيور، وأنها تعمل على سد العجز بنهاية عام 2010.

سبتمبر .. اللجنة العليا تعلن حصر أماكن الدواجن غير الآمنة والموجودة وسط الكتل السكانية لاختيار أماكن بديلة لها وأن جهاز تخطيط استخدامات أراضى الدولة سيقوم بتحديد المواقع الجديدة.

ديسمبر .. تفعيل خطة دعم استهلاك الدواجن المجمدة بدلا من الحية لتنفيذ قانون 70 لسنة 2009، والإعلان عن خطة جديدة فى 2011، وانقطعت بعد قيام الثورة أى تحركات للجنة.

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *