فضيلة الشيخ “علي جمعة “المفتي السابق يكتب : الفلسفة اللغوية

فضيلة الشيخ “علي جمعة “المفتي السابق يكتب : الفلسفة اللغوية

 

 بقلم : فضيلة الشيخ “علي جمعة ” – المفتى السابقتلعب «الفلسفة اللغوية» دورًا مهمًا جدًا في فهم التراث ، بعد فهم التصورالكلي الذي سيطر على الأذهان تلقياً وأداءً ، وفهماً للكون والإنسانوالحياة ، فاللغة موروث وليست مخترعاً ، أي إن وضع الألفاظ بإزاء المعانيأمر يرثه الإنسان ولا يصطنعه ، ومن أجل ذلك كان لابد عليه أن يدرك ذلكالوضع ، فيفهم دلالات الألفاظ ، وقد اهتم المسلمون القدماء جداً بهذهالقضية: قضية دلالات الألفاظ . ودلالات الألفاظ جعلتهم يتكلمون عن قضية «الجذور اللغوية» التي هي موجودةفي المعاجم ، لبناء النظام الصرفي الذي يُخرِج من هذه الجذور الفعلَ الماضي، والمضارع و الأمر ، واسم الفاعل واسم المفعول ، والمصدر ، والصفةالمشبًّهة ، واسمي المكان والزمان ، وسائر أنواع التصاريف اللغوية التيتستعمل في مواطن شتى. وهذا درسوه بتفصيل كبير جدًا ، وكشفوا من خلال هذهالدراسات أشياء كثيرة ، نسميها “الفلسفة اللغوية” . والحقيقة أن دراسة هذه “الفلسفة اللغوية” بمثل هذه الخطوات التي سوفنــتـعرض لها يجعل الإنسان أكثر فهماً سواء للنصوص الشرعية أو للكتاباتالتراثية . ولنبدأ من المكون الأساس للكلمة وهو الحرف ، والحرف له نوعان: حروف المباني، وحروف المعاني . أولا:حروف المباني: حروف المباني: ثمانية وعشرون حرفاً في لغة العرب ، وكانت قديماً مصاغة فيصورة تسمى “الأبجدية” ؛ لأنها كانت تبدأ بكلمة “أبجد”:(أبجد هوًّز حطيكَلَمُن ، سعفص قرشت ثخذُُُ ضظغُ) ، ثم تم تطويرها فيما بعد ، حتى وصلناإلى نظام يُسّمى النظام الهجائي أو الألفبائي ، وهو النظام الذي تعلمناعليه حديثًا (أ،ب،ت،….،هـ،و،ي) ، وسمّي الهجائي ؛ لأنها الحروف التينتهجَّى الكلمة بها.. هذه الحروف تسمى حروف المباني ، وهي لا معنى لها ،فالألف وحدها لا معنى لها في اللغة العربية ! وبالمناسبة ، تشترك اللغات السامية في اثنين وعشرين حرفاً ، وتنفرد العربيةعن بعض اللغات السامية في ستة حروف ، والأبجدية أيضاً كانت تشير إلى هذافمن (أبجد) حتى (قرشت) هذه هي الاثنين والعشرين حرفاً التي تشترك فيهاالعربية مع العبرية والآرامية والسُّريانية والحبشية وهكذا ، أما (ثخذُضظغُ) فتنفرد بها العربية عن اللغات الأخرى ، ولذلك يسمّون هذه الحروفالستة بـ«الحروف الروادف»؛ لأنها مُردَفة أي ملحَقة ، وهذه الاثنانوالعشرون حرفًا المشتركة –تقريبًا- هي الحروف اللاتينية أيضاً ، مع إسقاطالحاء وإضافة الثاء . فهذه “حروف المباني” التي يهتم بها الذين يدرسون “الأداء الصوتي” ودارسوالتجويد”، وقد صنفها القدماء واستنبطوا لها صفاتٍ ومخارجَ ، وحقًّاومستحقًا: الحق يعني إخراج الحرف من مخرجه الخاص به: من الحلق ومن وسطاللسان ، ومن طرف اللسان ، ومن مجموعة الأسنان ، ومن الشفتين ، ومن الخيشومأو الأنف ، والمستحق مراعاة موضع الحرف من الحروف المجاورة له وأثر نطقالحروف على بعضها البعض ، ولهذا ، فإن من الإعجاز أن القرآن الكريم وردإلينا بالأداء الصوتي نفسه الذي تركه لنا “رسول الله” – صل الله عليه وسلم؛ أي بالطريقة الصوتية المعيَّنة التي تجعل كل حرف له اعتبار ، وهناك جدوليحفظه رجال التجويد ، وله أداءات مفردة ، وأداءات مركّبة ، ثم يتراكب ثمنتعلم علم التجويد في أحكام التنوين والنون الساكنة وأحكام الميم والراءواللام ، وحروف المد.. وغير ذلك . فحروف المباني – وإن لم تكن لها معانٍ في ذاتها – إلا أن الأداء الصوتيالصحيح لها هو من الضرورة بمكان في ثقافة أمية اعتادت على نقل تراثهامشافهة ، ونقلت بهذه الطريقة كتاب الله – عز وجل – وحديث رسوله – صل اللهعليه وسلم – ، وقد ارتبط بذلك فنون الفصاحة والخطابة والبيان في التراثالإسلامي ، وهي فنون لا تزال لها مكانتها ، بل وتعد من المهارات الاجتماعيةوالسياسية التي تدرس ويعنى بها في الحضارات المختلفة . ثانيا:حروف المعاني : وهي الحروف التي يؤدي كل واحد منها معنًى معينًا ، وهي في اللغة العربيةتسعون حرفاً ، على خمسة أقسام: منها ما هو حرف واحد مثل: الواو ، الباء ، الكاف ، الفاء ، اللام…، ومنهاما هو حرفان مثل: من ، في ، عن ، لن ، إنْ …، ومنها ما هو مكون من ثلاثةحروف مثل: إلى، على، ثمَّ، إنَّ…، ومنها المكون من أربعة مثل: لعلّ ،كأنَّ ، ومنها ما هو من خمسة مثل: لكنَّ (وهي تُنطق: لاكنَّ بألف مدٍّ ، لاتكتب ، وبشدّة على النون). وليس هناك ما هو مكوّن من أكثر من خمسة حروف . هذه التسعون حرفاً، إما أن لهم عملاً أو ليس لهم عمل ، أي إما أن تؤثر فيمابعدها أو لا تؤثر ، فبعضها يَجرُّ ، وبعضها يَنصبِ ، وبعضها يَجزم، وبعضهالا عمل له ولا أثر ، لكن الأثر شيء والمعنى شيء آخر ، فهذه الحروفتَسُتعمل في ستة وخمسين معنى ، والمعاني الستة والخمسون منها: الابتداء ،والغاية ، والانتهاء ، والتبعيض ، والظرفية ، والاستعلام ، والاستفهام ،والقَسَم ، والتحضيض ، والتمني ، والترجّي ، والتأكيد ، وهكذا . وعندما نرسم جدولاً فيه الـتسعون حرفاً بصورة رأسية تقابلها الـست والخمسونوظيفة بصورة أفقية ، نجد أن الحرف الواحد قد يدل على معنى أو اثنين أو حتىقد يدل على نحو خمسة عشر معنى ! ، فمثلا “الباء” تدل على أشياء كثيرة ،منها: المصاحبة ، الملابسة ، الابتداء ، الظرفية ، السببية

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *