أسرار صراع “القاعدة” و”داعش” على “كعكة” ليبيا

أسرار صراع “القاعدة” و”داعش” على “كعكة” ليبيا

على وقع الأوضاع الاقتصادية الصعبة التى تعيشها شعوب دول غرب إفريقيا، خاصة الدول الواقعة فى منطقة الصحراء وحول بحيرة تشاد.. دخل تنظيم القاعدة فى صراع مع تنظيم داعش لاستعادة السيطرة على القارة الإفريقية.. وكانت البداية تجربة عملية شهدتها مدينة درنة الليبية، التى سيطرت عليها مجموعة موالية لتنظيم داعش لعدة أشهر، قبل أن تثير سياستها غضب الأهالى ونفورهم، ليستغل تنظيم القاعدة المتدثر باسم مجلس شورى مجاهدى درنة وضواحيها الفرصة، وينقض على أتباع داعش ويسيطر على المدينة الواقعة فى شرق ليبيا حتى الآن… ليكون بذلك نموذجًا يمكن تكراره فى مناطق أخرى من بقاع الصراع القاعدى الداعشى.. «البوابة» رصدت محاور الصراع.. وأساليب القاعدة فى إفريقيا خلال الفترة الأخيرة.
توسع «داعش»
رغم أن تنظيم القاعدة أسبق وجودًا فى تلك المنطقة ـ وفى العالم ـ من «داعش»، غير أن «القاعدة» شهد تراجعًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، نتيجة عدة عوامل، منها مقتل زعيمه المؤسس أسامة بن لادن فى ٢٠١١، والصعود الكبير لخصمه ومنافسه تنظيم «داعش» فى نهايات عام ٢٠١٤، لا سيما بعد إعلانه دولة الخلافة الإسلامية، الأمر الذى دفع العديد من فروع القاعدة لترك التنظيم الأم، ومبايعة أمير داعش أبوبكر البغدادى وإعلان الولاء التام له.
التوسع الداعشى الكبير فى معقله الرئيسى بسوريا والعراق فى نهايات عام ٢٠١٤ ومطلع ٢٠١٥، تبعه توسع مماثل لأتباعه فى غرب إفريقيا بعد مبايعة تنظيم بوكو حرام النيجيرى للبغدادى، حيث خاض التنظيم هجمات تعدت حدود نيجيريا لدول الجوار كالكاميرون وتشاد والنيجر، غير أن هذا التوسع شهد بعد ذلك ارتدادات عكسية نتيجة الضربات التى وجهها التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لمعاقل التنظيم، مما أجبره على الانسحاب من المدينة تلو الأخرى.
تلك الارتدادات التى أصابت التنظيم فى معاقله الرئيسية، كان لها صدى على وجوده فى المشهد الإفريقى، فقد خسر التنظيم معقله الرئيسى فى ليبيا المتمثل فى مدينة سرت الساحلية أمام قوات ليبية مدعومة من الولايات المتحدة وإيطاليا، كما تلقت ذراعه النيجيرية «بوكو حرام» ضربات قوية من تحالف إقليمى مشكل على رأسه تشاد ونيجيريا اللتان كان لهما النصيب الأوفر من عملياته المسلحة.
فى ظل هذا التراجع الذى لحق بداعش، اتخذ تنظيم القاعدة عددًا من الخطوات التى يحاول من خلالها ملء الفراغ الذى ستمثله النهاية الوشيكة لوجود تنظيم داعش فى غرب القارة السمراء، لا سيما بعد تصريحات قوى غربية بضرورة إيلاء اهتمام أكبر لمواجهة «داعش» فى دول حوض بحيرة تشاد، وهو ما يعنى ربما قيادة عملية عسكرية واسعة على غرار الحرب القائمة ضده فى سوريا والعراق تفضى إلى القضاء عليه.
وترصد «البوابة» محاور عمل تنظيم القاعدة:
أولًا تكثيف العمليات لإثبات الوجود
رغم استحواذ العمليات التى يشنها تنظيم «داعش» خلال الفترة الماضية على الاهتمام الإعلامى، ما جعل الكثير من المتابعين للحالة الجهادية يظنون أفول نجم القاعدة، غير أن تنظيم القاعدة فى غرب إفريقيا شن العديد من الهجمات فى أكثر من مكان، وبلغت العمليات، التى وثقها تقرير نشرته وكالة أنباء الشرق الأوسط فى يناير الماضى ١٠١ هجوم فى العام المنصرم ٢٠١٦ فقط.
وبحسب الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، مصطفى زهران، فإن «التكتيك الذى اتبعه تنظيم القاعدة فى هجماته فى تلك المنطقة لم يقتصر على الكثرة العددية فقط، بل أولى اهتمامًا بالنوعية أيضًا لجذب انتباه الآلة الإعلامية الدولية وإرسال رسالة مفادها نحن هنا»، ومن تلك الهجمات النوعية كانت عملية محاصرة فندق وسط العاصمة واجادوجو مطلع العام الماضى، واستهداف منتجع سياحى شهير على ساحل كوت ديفوار فى مارس من العام نفسه.
وفى عام ٢٠١٧ شنت خلايا التنظيم هجمات دامية استهدفت عسكريين فى دول النيجر ومالى، كان آخرها مقتل ١١ جنديًا ماليًا فى هجوم على قاعدة بوليكيسى العسكرية قرب الحدود مع بوركينا فاسو.
ثانيًا: التوحد مع المكونات القبلية
فى غرب إفريقيا
ينتهج تنظيم القاعدة فى تعاطيه مع المجتمعات الإفريقية فى غرب القارة مبدأ تبنى المظالم المحلية، وجعلها ذريعة للتمرد المسلح ضد الحكومات المركزية فى تلك الدول، هادفًا من وراء ذلك لتكوين حواضن شعبية وروابط قبلية يتغلغل من خلالها فى النسيج المجتمعى لتلك المناطق.
وهنا يشير مصطفى زهران إلى أن «توحد القاعدة مع المجتمعات المحلية فى مناطق نفوذه وتبنيه لقضاياها يعطيه ميزة عن منافسه تنظيم داعش؛ إذ إن الأخير لا يهتم برضا السكان المحليين فى مناطقه، بل ينفذ سياساته بمنأى عن قابلية هؤلاء السكان أو رفضهم، ووصل الأمر بمناصريه لإطلاق جملة الحاضنة الشعبية فى إشارة إلى الجماعات التى تبنى سياساتها انطلاقًا من رضا الأهالى».
وتمثل سياسة جماعة أنصار الدين المالية، التى يقودها إياد أغ غالى، دليلًا بارزًا على استراتيجية القاعدة، إذ يتمحور تمرد هذه الجماعة حول بعدين، أحدهما: أيديولوجى متمثل فى السعى لتطبيق الشريعة وإقامة حكم إسلامى، والثانى: قبلى متمثل فى المطالبة بانتزاع حقوق سكان منطقة أزواد الطوارق فى شمال مالى، وقد قاد «غالى» تمرد الطوارق القبلى سنين طويلة قبل أن يمزج ذلك التمرد بالأيديولوجية الجهادية التى قربته من تنظيم القاعدة فيما بعد.
ثالثًا: دمج المجموعات التابعة للتنظيم
فى كيانات أكبر
المحور الثالث، فى خطة تنظيم القاعدة الرامية إلى لعب دور بديل لتنظيم داعش المحتضر فى غرب إفريقيا، هو توحيد جهود المجموعات التابعة له مكونًا تكتلات أكبر يستطيع من خلالها تنسيق عملياته فى مناطق نفوذه بل وتوسيع مناطق النفوذ تلك، وقد برز هذا الأسلوب بعد الإعلان عن دمج ثلاثة تنظيمات كبرى فى منطقة الساحل والصحراء تحت راية واحدة منذ أيام، وهى تنظيمات «أنصار الدين» و«المرابطون» و«حركة تحرير ماسينا»، والتى شكلت جماعة جديدة أطلقت عليها اسم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».
ولم تنس الجماعة الوليدة فى بيان الإعلان عن نشأتها التأكيد على هويتها الأيديولوجية وانتمائها الجماعاتى، حيث أكد بيان التأسيس ولاء هذه الجماعة لتنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى ولزعيم التنظيم الأم، أيمن الظواهرى، إضافة إلى أمير حركة طالبان الأفغانية الملا هيبة الله.
وفى هذا السياق يشير تقرير نشرته وكالة الأخبار الموريتانية إلى أن اختيار الجماعة القاعدية الجديدة فى غرب إفريقيا لشخصية المالى إياد أغ غالى لزعامتها يهدف إلى الاستفادة من تاريخه الطويل فى التمرد المسلح فى تلك المنطقة، إضافة لكسب تعاطف أبناء قوميته الذين يعتبرونه مثلًا أعلى وزعيمًا سياسيًا تاريخيًا.
رابعًا: تنويع مصادر التمويل
نظرًا لارتباط تنظيم القاعدة بالمجتمعات المحلية فى غرب إفريقيا، فقد عمل التنظيم على تطويع ظروف تلك المجتمعات لخدمة أجندته، ولتوفير التمويل اللازم لشن هجماته، عمد التنظيم إلى السيطرة على أهم ممرات التهريب فى المنطقة، الأمر الذى مكنه من التحكم فى تجارة تهريب المهاجرين الذين يدفعون مبالغ كبيرة نظير المساعدة فى الوصول لدول الساحل لا سيما ليبيا، التى تعد محطة عبور رئيسية فى طريق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.
كما استخدم التنظيم أسلوب خطف الرهائن وطلب فدية مالية لزيادة دخله، وهو الأمر الذى در عليه أموالًا طائلة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *