الأستاذ الدكتور “على جمعة” – رئيس مؤسسة مصر الخير – يكتب: لماذا يحبون الدين؟

الشعب المصري يحب الدين، ويرفض أن يعيش من غيره، بل ويرفض أيضا أن يعيش مع الدين وهو في الهامش، بل يريد أن يعيش في الدين وبالدين، والإخوة العلمانيون يتعجبون من ذلك، حتى إن عجبهم قد أثار حفيظتهم، وغبش عليهم رؤية الواقع، فمعنى هذه الحقيقة أن مشروعهم قد فشل بالرغم من أنهم قد بذلوا كل ما في وسعهم. ومن هنا تراهم يبحثون عن أسباب وهمية تتعلق بسلطة رجال الدين، وبتأثير المؤسسة الدينية، وبأوهام الدولة الدينية إلى آخر ما هنالك مما نسمعه ليل نهار.
والتجربة المصرية التي بدأت مع محمد علي لم تجعل للمؤسسة الدينية أي تدخل في القرار السياسي أو الاقتصادي، وإن كانت لم تلغ وجودها بالمرة، كشأن كل دول العالم، فلازالت الكنيسة الإنجليكانية تتوج الملكة البريطانية إلى يومنا هذا، ولازالت المؤسسة الكاثوليكية لها الغلبة الجماهيرية في فرنسا التي ينص دستورها على أنها دولة علمانية.
ولقد نُحي الدين من الحياة الغربية عندما تأكد المجتمع أن الدين لم يعد كما كان في السابق سببا للأمن الاجتماعي، أو الاستقرار، بل أصبح سببا في النزاع الشديد الذي قام بين الطوائف المختلفة الموروثة والجديدة، ولما كان الحال عندنا يختلف عن هذه الصورة فإن هناك رغبات محمومة من أجل إيقاع النزاع بين طوائف المسلمين ومذاهبهم حتى يكون ذلك مبررا لاجتماع الكلمة على إخراج الدين من حياة الناس، وجعله في الهامش بحسبان أن هذا سوف يجعل المجتمع أكثر انطلاقا في المجال الاقتصادي وفي الإنتاج وفي البحث العلمي، وبذلك يصبح الإنسان أكثر حرية ورفاهة.
وتستمر المقولة حينئذ بأن : الدين ينبغي ألا يزيد عن مساحة الإنسان، وأنه يجب ألا ندعوا إليه وألا نعيش به، وهو الذي يرفضه الشعب المصري في عمومه سوى طائفة تعرف نفسها أنها قلة، وتحاول أن تلف وأن تدور حول المعاني تتلجلج في صدورها أو في أذهانها فتختلف في ذلك عن دعاة التنوير في الغرب؛ حيث إنهم جاهروا بما في نفوسهم، وتحملوا المعارضين لهم، ولكن أصحابنا في جبنهم الفكري يغضبون من وصفهم بما يتمنون أن يجاهروا به، فكانوا مساكين حقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون. فهذا الصنف من الناص أسماه ربنا سبحانه وتعالى من قبل بالمنافقين وجعل لهم الدرك الأسفل من النار. فقال : (إِنَّ المُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء :145].
وإني إذ أحذر أولئك الذين يرجون وجه الله ويرجون الآخرة من أن يُستعملوا في فيضان الإعلام للوصول إلى هذه النتيجة، فيكونون من حيث لا يدرون أداة لهدم الدين في قلوب المسلمين، وذلك بما يلي :
1- بالسعي بإظهار الاختلافات بين المذاهب المختلفة بصورة فجة ليس فقط بين السنة والشيعة، ولا بين النصوصية والتأويل، بل حتى بين مذاهب السنة في ذاتها، بل بين المذهب الواحد والمدرسة الواحدة في كثير من الأحيان.
2- والتمكين لغير العلماء المتخصصين بالتصدر للفتوى، مع إصرار غريب متشنج لهذه الحالة.
3- والانتقال من عالم الأفكار التي يجوز لكل أحد أن يعرض ما يشاء فيها، وذلك دلالة على حرية الفكر إلى عالم الفقه الذي هو علم من العلوم ينبغي أن لا يتكلم فيه إلا المتخصصون، والخلط بين عالم الفكر وعالم الفقه يؤدي أيضا إلى هذه الحالة العبثية التي نراها؛ حيث إن بعضهم يحظر على الجميع أن يتكلم في الفكر خالطا بينه وبين الفقه فيكون بذلك متسلطا غاية التسلط، وبعضهم يبيح للجميع أن يتكلم حتى في الفقه، فيقع في مساحة لا علم له بها فيهرف بما لا يعرف، فهذا هو الإفراط والتفريط بنفسه.
4- السعي إلى إشاعة عقلية الخرافة، وهو أمر مخالف للعلمانية، بل جاءت العلمانية لتحاربه وتقضي عليه، إلا أنه وسيلة مؤقتة حتى يصيب الناس ملل من الدين وأهله، ويتم الخلط والتلبيس بين الغيب بمفهومه الإيماني وبين ما يمارسه المشعوذون البلداء على الناس. فالغاية تبرر الوسيلة عندهم حتى لو كانت هذه الوسيلة مما لا يحبونها ولكنها توصل لغرضهم ولو على جثة الأمة.
5- ويزداد الأمر تعقيدا عندما تنثال عقلية الخرافة وتنتشر من المجال الديني إلى المجال الصحي، فترى في الإعلانات بعد تصديرها بالآيات والأحاديث وختمها بشيء من الدعاء تدعو إلى عدم تناول الأنسولين في سبيل تناول الترهات التي يدعون إليها، ألا يعرفون هؤلاء المجرمون أنهم يقتلون بذلك الأنفس.
إن الرهان الآن هو أن تؤدي هذه الحالة إلى زعزعة حب الدين والعيش معه وبه عند الشعب المصري إلى تنحية الدين وهو الأمر الذي يريده أولئك المخططون على حسب ظنهم الذي أشرنا إليه. والمتوقع مع رسوخ حب الدين في قلوب المصريين مسلمين ومسيحيين هو عدم التأثر بمثل هذه الحالة، وأن الدين لن يتزعزع في قلوبهم، ولن يخرجوه إلى هامش الحياة، ولا
إلى مرتبة مستوى الشخص، فالشعب المصري شعب في غاية الذكاء والشفافية ينظر إلى أولئك نظرة تصاحبها ابتسامة ساخرة لأنهم يريدون قيادة الشعب إلى أوهام سوداء وإلى انسلاخ من الهوية ومن الحياة الطيبة التي يعيشها المصري والتي تعود عليها وهو إنسان الحضارة وعمارة الأرض وتزكية النفس والتي علمها العالم عبر القرون ومن مئات السنين وآلافها، فشعب مصر يعرف من هو، وهو الذي قاوم كل محتل وقاوم كل مختل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *