الدكتور “على جمعة” – رئيس مؤسسة مصر الخير – يكتب: حكمة البلاء

عندما ينزل بالمؤمن البلاء يحتاج إلى أن يرجع إلى الله ليعرف حكمة البلاء، ويعرف كيف يتعامل معه عندما ينزل، وما البرنامج الذي يسير عليه حتى يخفف عنه المصيبة وتنزل السكينة على قلبه ويتمتع بنور الصبر، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بقراءة الوحي (الكتاب والسنة).
1- قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ) [الملك: 2]، وقال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35]، وقال سبحانه: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) [النساء: 78]، وقال عز وجل: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155- 157]، ويؤخذ من هذا أن نزول البلاء امتحان وأننا نحتاج إلى معرفة الحقائق وأولها أن هذه المحن معها منح ربانية من الجزاء الوفير والغفران التام، وأن الموت سنة من سنن الله في كونه ولكنه مع ذلك ليس فناء بل هو انتقال من دار إلى دار، من دار الدنيا إلى الآخرة، ومن دار العمل إلى دار الجزاء، ومن دار الفناء إلى دار البقاء، ولذلك وبهذا الفهم قد كان أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، لا يعيش لديه ولد، فَسُئل في ذلك فقال: الحمد لله الذي يأخذهم مني في دار الفناء ليدخرهُم لي في دار البقاء، وقال الشاعر:
لا تظنوا الموت موتا إنـه ** لحياة هي غـايات المنى
لا ترُعْكم فجأة الموت فما ** هي إلا نُقْلَة من هـاهنا
وقال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: 34]، وقال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرَامِ) [الرحمن: 26- 27]،
يمضى الصغير إذا انقضت أيامه ** إثر الكبير ويولد المولود
والنــاس في قسم المنية بينهم ** كالزرع منه قائم وحصيد

2- قال “صل الله عليه وآله وسلم” فيما أخرجه الترمذي: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»، وقال عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (صحيح مسلم)، وقال فيما أخرجه الترمذي: «مَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلاَّ الْجَنَّةُ» (البخاري)، وقال: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللهُ لِمَلاَئِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» (أخرجه الترمذي في سننه). قال الشاعر:
وإنمـا أطفالنـا بيننــا ** أكبادنا تمشي على الأرض
إن هبت الريح على بعضهم ** امتنعت عيني عن الغمض

3- فالروح باقية لا تفنى ولذلك عند رحيل الأحبة نستمر في عمارة الدنيا ونزيد من العمل الصالح ونهب ثواب أعمالنا إلى من رحل صغيرًا كان أو كبيرًا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً قَالَ للنبي – صل الله عليه وآله وسلم – : إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً وَلَمْ يُوصِ فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (صحيح مسلم) ، ولما مات ابن وكيع بن الجراح خرج في يوم وفاته في درسه اليومي وزاد أربعين حديثًا عما كان يُحدث به كل يوم، وبعدما دفن أبو يوسف -صاحب أبي حنيفة- ابنَه، حضر مجلس أبي حنيفة بعد الدفن ليتعلم حتى يتجاوز الأحزان. قال الشاعر:
فإذا ابتليت بمحنة فاصبر لها ** صبـر الكريم فإنه بك أكرم
وإذا ابُتليت بكربة فالْبسْ لها ** ثوب السكوت فإن ذلك أسلم
لا تشكوَنَّ إلى العباد فإنمــا ** تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

4- فالمصيبة تعلمنا حقيقة الدنيا وأنها فانية وأنها متاع قليل، قال تعالى: (مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) [النساء: 77]، وقال تعالى: (وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ) [الأنعام: 32]، وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: 22-23] ولنا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة حيث مات أبناؤه وأحباؤه في حياته وفي كل الأعمار حتى قال عندما مات ابنه إبراهيم: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَاللهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ»، فمات حمزة وجعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم وكانوا أحب الناس إليه فعلمنا كما علمنا القرآن: “إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”، و”راجعون” تبين أن الموطن الأصلي للروح هو عند الله فمن هناك أتت تفضلا ومنة، وإليه عادت حكمة وفضلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *