الأستاذ الدكتور “على جمعة” – رئيس مؤسسة مصر الخير – يكتب: الحب الذى اشتقنا إليه

الحب شعور إنساني عظيم ، يدل على الحياة ، كما يدل على الإنسانية ، وهو أحد مشتقات الرحمة وآثارها ، فالرحيم هو الذي يحب، ومن أحب دل على أنه رحيم ، والحب عطاء ، والحب كرم ، والحب حالة فريدة ؛ ولذا قالوا : من أحب لا يكره ، وإذا فُقد الحب دل ذلك على فقد الرحمة ، وإذا فُقدت الرحمة فلا تسأل بعد ذلك عن مدى الفساد في الأرض ، ومدى الظلم المنتشر ومدى التدهور المستمر .
إلا أن الحب في الإسلام تعدى كونه شعوراً وأحاسيس إلى كونه فريضة وواجباً ، وتعدى الحب بمعناه الفردي بين الرجل والمرأة إلى معناه الشامل الذي يجعله مقياساً للحياة ، وأساساً للسلوك ، ومفتاحاً للأخلاق، فالحب للحياة بأشيائها وأحداثها وأشخاصها ومبادئها أمر مقرر في القرآن الكريم ، ولكن بعد تحويله إلى طاقة فاعلة للخير والحق والقوة والتعمير .
ولنبدأ بما يحبه الله ، وما لا يحبه وهي مجموعة من الآيات التي ترسم دستور الحب الحقيقي غير المزيف ؛ حيث يختلط الحب حينئذ بالشهوة والرغبة ويختلط حينئذ بالمصلحة الخاصة المشبوهة في حين أن الحب الحقيقي شفاف دائم، قد يشتمل على الشهوة دون فساد ، وقد يشتمل على المصلحة دون أنانية، وقد يشتمل على الغاية دون خيانة ، إنه حب اشتقنا إليه .
فيقرر القرآن حب الأشياء ولا يجعلها دليلا على الخير دائما يقول الله تعالى : (وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة : 216]، ويقول سبحانه : (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص : 56]، ويقول في حب المبادئ : (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبـُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور :22]
فما يحب الله ؟ قال الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يحب التَّوَّابِينَ وَيحب المُتَطَهِّرِينَ) [ البقرة : 222]. وقال سبحانه : (بلى من أوفى واتقى فَإِنَّ اللَّهَ يحب المُتَّقِينَ) [ آل عمران : 76]. (وأحسنوا إِنَّ اللَّهَ يحب المُحْسِنِينَ) [ البقرة : 195]. (وما ضعفوا وما استكانوا وَاللَّهُ يحب الصَّابِرِينَ) [ آل عمران : 146]. (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) [ المائدة : 42] (فإذا عزمت فتوكل على الله إِنَّ اللَّهَ يحب المُتَوَكِّلِينَ) [ آل عمران : 159]. وقال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف : 4].
فهذه ثمان صفات أخبر القرآن الكريم بأن الله يحبها في عباده، فهو يحب من عبده إذا أخطأ أن يرجع عن خطئه، حتى لو تكرر الخطأ أو الخطيئة، فهو يقبل التوبة من عبادة ويعفو عن كثير، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) [رواه أحمد والترمذي وصححه الحاكم في المستدرك]. والتوبة فلسفة كبيرة في عدم اليأس وفي وجوب أن نجدد حياتنا وننظر إلى المستقبل، وأن لا نستثقل حمل الماضي، وإن كان ولابد أن نتعلم منه دروساً لمستقبلنا، لكن لا نقف عنده في إحباط ويأس، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. التوبة فيها رقابة ذاتية تعلمنا التصحيح وتعلمنا التوخي والحذر في قابل الأيام، وهي من الصفات المحبوبة فلنجلعها ركناً من أركان الحب.
والله يحب أيضا المتطهرين في ظاهرهم وباطنهم، فإن كانت التوبة من قبيل الطهر الباطني، فإن النظافة من الطهر الظاهر، والنظافة في الجسد والثياب والأثاث والمكان جزء لا يتجزأ وركن ركين في عبادة الله عند المسلمين (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة : 125]، ولنجعل الركن الثاني هو التطهر، وهو معنى يمكن أن يتحول إلى إجراءات محددة في حياتنا على مستوى الأمة وعلى مستوى الجماعة، وعلى مستوى الفرد.
فإذا اتصف الواحد منا بالتوبة والطهر فإنه يتصف بالتقوى وهي الخوف الناتج من الحب وليس الناتج عن الخشية، فالتقي هو الذي يخاف أن يغضب حبيبه، وهو الذي يخاف على حبيبه، وهو الذي يمتنع عن كل ما يؤذيه ويسارع في هواه
لو كنت حقا حبه لأطعته ** إن المحب لمن يحب مطيع
وإذا كان التقي يبدأ بنفسه، فإن المحسن يتعدى إحسانه لغيره، ولذلك أحب الله المحسنين، وثواب الفعل المتعدي نفعه إلى غيره أكبر وأحسن من الفعل الذي قد يكون قاصراً. إن هذا يدل على نسق مفتوح، مفتوح على الناس، مفتوح على العالم، مفتوح على الآخر، فهذا ركن رابع من أركان الحب.
فإذا فعلنا ذلك فلابد من الصبر والمثابرة والاستمرار فإن (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) [متفق عليه] والصبر صفة تتحول إلى ملكة راسخة في النفس، والله يحب الصابرين أي أنه لا يحب الحائر المتردد الذي يبدأ العمل ثم يتركه، وهو الركن الخامس من الحب.
والعدل أساس الملك، ولذا فإن الله يحب العدل ويأمر به ويرشدنا إلى أنه قيمة مطلقة لا تتغير ولا تتبدل كما يراها بعض من عبد المصالح وأخرج الله من حياته، فأصبح بذلك ظالماً والله لا يحب الظالمين بل يحب المقسطين هل هذه الحقيقة أصبحت لدى بعض البشر محل نظر أو مناقشة ؟ يبدو من تصرفاتهم أنها أصبحت كذلك، فعلى هؤلاء أن يدركوا أن الحب قد فقد أحد أركانه إذا فقد العدل ولا حقيقة للشيء بدون ركنه.
فإذا أضل الناس أو قدر الله عليهم حرمانهم من نعمة الحب ودخلوا في غيره من الكراهية فعلينا ألا ننساق إليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تكونوا إمعة تقولون : إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا) [رواه الترمذي والطبراني في الكبير].
إن هذه الصفات هي التي تعد ناشر الخير والسلام، تعد المجاهد في سبيل الله : الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر الذي يريد أن يمنع الشر ويرفع الطغيان والعدوان، وحينئذ لا نجد المفسد الذي يدعي الإصلاح، ولا المرجف الذي يدعي الإسلام قال تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) [البقرة : 204، 205]. ولا نجد من يلبس الحق بالباطل قال سبحانه : (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيـلاً) [الأحزاب : 60، 61].

(والترجمة الدقيقة لكلمة [Terrorism] هي كلمة [الإرجاف] في العربية، واسم الفاعل مرجف وجمعها المرجفون، وليس الإرهاب الذي هو بمعنى قوة الردع وليس الإفساد في الأرض، وهذا بالمناسبة من قبيل تحرير المصطلح) .
هذا جانب من الحب وله جوانب أخرى….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *