الأستاذ الدكتور “على جمعة” – عضوهيئة كبار العلماء ورئيس مؤسسة مصر الخير – يكتب: جامعة الأزهر

نفخر بجامعة الأزهر في المحافل الدولية باعتبارها أقدم جامعة في الأرض، مازالت مستمرة في العطاء، حيث بدأ التدريس بالأزهر الشريف منذ أن نشأ، فقد افتتحه جوهر الصقلي بصلاة الجمعة في السابع من رمضان سنة 361هـ وهو الموافق 21 يونيو 972م.
ومن المعروف أن جامعة باريس أنشئت في القرن الثاني عشر الميلادي، وجامعة أكسفورد بإنجلترا في القرن الثالث عشر، وجامعة لوفان ببلجيكا في القرن الخامس عشر، ولا ينافس الأزهر في هذا المجال إلا جامع القرويين في فاس بالمملكة المغربية الذي أنشأ سنة 245هـ الموافق 859م؛ حيث عد بعد استقلال المغرب جامعة مكونة من ثلاث كليات وهي [الآداب والشريعة والعلوم] إلا أن الأزهر وجامعته ينفرد بأنه أول جامعة تولت الدولة الإنفاق على مدرسيها وتعهدتهم بالرعاية، كما أنه يعد جامعة دولية حيث يستقبل الوافدين من أكثر من 90 دولة في العالم.
فكان الأزهر -ولا يزال والحمد لله رب العالمين- من أكبر جامعات الدنيا، وجامعة الأزهر الآن تشتمل على 400 ألف طالب، وتشتمل على نحو 70 كلية، وليس هذا بغريب ولا جديد على هذه الجامعة، فقد درس الأزهر أكثر من 70 علما في أروقته، وكان مشايخه يمنحون الإجازة في هذه العلوم كلها، فقد ورد في إجازة الشيخ عبدالله الشبراوي الشافعي الذي تولى مشيخة الأزهر من (1137هـ الموافق 1725م حتى سنة 1171 هـ الموافق 1757م) نحو سبعين علمًا كان يدرس في الأزهر، وأورثت هذه الخبرة علماء الأزهر دربة عالية يعتز بها ويفخر.
حتى إذا ما جاء محمد علي باشا وأراد أن يرسل البعثات العلمية وجد في علماء الأزهر بتخصصاتهم المختلفة وتنوع علومهم وبوحدة المعرفة عندهم بغيته، فأرسل أكثر من 21 بعثة كما فصل ذلك الأمير عمر طوسون في كتابه الماتع «حول البعثات العلمية» التي قام بها جده، وقد نجحت نجاحا باهرًا.
وكان من أولئك النفر الأزهريين رفاعة رافع الطهطاوي المعروف المشهور في مجهوداته في الترجمة والاطلاع على ما كان عليه الغرب، وبدأ الدولة الحديثة بمصر، وكان منهم على سبيل المثال الدكتور السيد أحمد حسن الرشيدي، وأصله من طلبة الأزهر ثم اشتغل مصححا للكتب الطبية بمدرسة أبي زعبل، وسافر إلى أوروبا في بعثة سنة 1832 وعاد من فرنسا سنة 1838 فعين مدرسا للعلوم الطبية، وتوفي سنة 1865م وله من المؤلفات العلمية : الروضة البهية في الأمراض الجلدية، وضياء النيرين في أمراض العين. وهذا يبين أن التخصص في فروع الطب لم يكن معتمدا عندنا بعد.
ومن خبرة علماء الأزهر الشريف في تدبير أمرهم وتطوير معهدهم العتيق واستمراره هذا الزمان المتطاول بهذه الكفاءة العالية، عملوا على تطوير الأزهر فسنوا له القوانين، ووضعوا له الضوابط والنظم بعد دراسة متأنية عميقة، وكان أول قانون للأزهر قد صدر في عهد إسماعيل باشا والي مصر، وكان سنة 1872م وكان شيخ الأزهر حينئذ هو الشيخ محمد العباسي المهدي، ونظم هذه القانون كيفية نيل شهادة العالمية، وبين مواد امتحانها، وقسم الناجحين فيها إلى ثلاث درجات أولى وثانية وثالثة، على أن يصدر بذلك براءة بتوقيع ولي الأمر والي البلاد.
وأخذت القوانين تتالى حتى صدر القانون رقم 10 لسنة 1911م انتقل الأزهر إلى مرحلة أخرى من النظام، وأنشأ حينئذ مجلس الأزهر الأعلى ووضع فيه نظام لهيئة كبار العلماء، وجعل لكل مذهب من المذاهب الأربعة شيخ، ولكل معهد من المعاهد مجلس إدارة، وتمت مجموعة من التعديلات عليه، وكل هذه التعديلات كانت لا تتعارض مع صبغة الأزهر الدينية والعربية حتى وضع القانون رقم 49 سنة 1930 وفي ظل هذا القانون افتتحت الكليات الثلاث الأم [كلية اللغة العربية-كلية الشريعة-كلية أصول الدين]
حتى تم الافتتاح الرسمي لكليتي الشريعة واللغة العربية في يوم الأربعاء 3 من ذي الحجة سنة 1351هـ الموافق 29 من مارس سنة 1933م، ثم جاء المرسوم بالقانون رقم 26 لسنة 1936م ليعيد تنظيم الجامع الأزهر بمعاهده وكلياته.
وبعد ذلك توالت مجموعة القوانين واللوائح المنظمة فصدر القانون رقم 109 لسنة 1944 بإنشاء قسم للغرباء بالجامع الأزهر، والمرسوم في 12 يونيو 1945م بإنشاء قسم في كلية اللغة العربية لفن القراءات وعلم التجويد، وظلت التشريعات تتالى لخدمة الأزهر حتى صدور القانون 103 لسنة 1961 ثم لائحته التنفيذية 250 لسنة 1975، والتي أدخلت تدريس البنات إلى الأزهر وأعادت له دراسة العلوم الكونية مرة ثانية، ونظمت إدارته وفروعه، وقد أدعي أنه حتى الآن لم نستوف ما أتاحه لنا القانون رقم 103 لسنة 1961 من آفاق، وأن تطور التكنولوجي الذي نعيشه كان يمكننا من الانطلاق أكثر نحو تأدية الرسالة، إلا أن المجهودات الجبارة التي تمت في العشرين سنة الماضية قد نقلت جامعة الأزهر نقلة نوعية وجعلتها من الجامعات المتميزة لدى الغرب والشرق، ولا أنسى ما حدثني به رئيس الديانة في البوسنة الدكتور مصطفى سيريفيتش من أنه عندما حصل على ليسانس اللغة العربية من الأزهر وذهب بها إلى جامعات أمريكا عادلوا ذلك الليسانس بالماجستير عندهم وألحقوه بدرجة الدكتوراه مباشرة، ولا أنسى أيضا أنه قد قرأ علي علم أصول الفقه في بعض المتون القديمة الدكتور روي متحدة رئيس قسم الدراسات الشرقية بجامعة هارفارد، وكنت حينئذ مدرسًا بجامعة الأزهر لمادة أصول الفقه، ولكنه وهو برتبة رئيس القسم للدراسات الشرقية في أعلى جامعات أمريكا بل والعالم عدني مرجعا يرجع إليه ويعتمد عليه ما دام منتميا إلى جامعة الأزهر.
إن هذه المواقف والحالة ليست تاريخا يحكى، وإنما هي حالة قائمة معنا الآن تدل على استمرار جامعة الأزهر في العطاء، وعلى أن أهلها قادرون دائما على هذا العطاء، وقادرون أيضا على تطوير أنفسهم مع مقتضيات العصر، ودائما سعت جامعة الأزهر إلى الوحدة والائتلاف وإلى الزيادة والنمو، وإلى التنظيم والتنسيق، ولم تسع أبدا في يوم من الأيام إلى عكس هذه المعاني مما جعلها ناجحة ملأ العين والبصر في العالم كله، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يديم نعمته علينا وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *