الأستاذ الدكتور “على جمعة” – عضو هيئة كبار العلماء – يكتب: المنهج والتوهيم

في صغرنا ونحن في الأزهر الشريف حفظنا نظما لطيفا يمثل حوارا بين العلم والعقل، وأيهما أعلى من الآخر، وهذا النظم وهو في عدة أبيات كنت أظن أنه من الطرائف واللطائف كالمحاورة التي جرت بين الأبيض والأسود أو بين الليل والنهار أو بين الصيف والشتاء في الأدبيات المشهورة حتى ألفت فيها الكتب، إلا أنني اكتشفت مع ظهور حالات فكرية مستعصية من الخلط والمتاهة العقلية التي تنتج عادة من حب الهواية التي يحرم من التخصص في مجالها أحد المحبين لها، أو تنتج من شدة الإخلاص مع قلة العلم، أو تنتج من تلقي المعلومات من الكتب فقط دون استيفاء بقية العملية التعليمية التي تتمثل في خمسة أركان : وهي الطالب، والأستاذ، والمنهج، والكتاب، والجو العلمي.
فيفتقد الدارس إلى العلوم المساعدة وإلى الترتيب المنهجي ويفتقد المنهج برمته، ومن هنا تصبح المعلومات جُزرا منعزلة في ذهنه لا يكون قادرا ولا مدربا على الوصل بينها ولا معرفة الكامن وراءها، ولا قدرة لديه على تفعيل ذلك المنهج في المستحدثات، وذلك بسبب بسيط وهو أنه قد افتقد المنهج نفسه، فأصبح في مجال التوهيمات.
والتوهيمات والعسف الذهني والمناقشة بصوت عال أمور ممدوحة محمودة تثري الفكر، ولكن يجب في النهاية -حتى لا تظل طائرة في السماء- أن تستقر في صياغات وقوالب محددة يمكن نقلها بوضوح بين الأجيال وهو ما يسمى بالعلم. 
فالعلم في حاجة شديدة إلى جريان الفكر حتى يمده دائما بكل جديد، وإذا انقطع عنه ذلك المورد جمد العلم وحدثت له المشكلات، ولقد نشأت الجامعة في الأساس من أجل أن تمد العلم بتيار الفكر، ووقعت الجامعة في القرن الأخير في أغلب دول العالم في أزمة فكرية حيث تحولت إلى محاضن للعلم دون مده بالأفكار تحت عباءة المنهج المستقيم.
ومن هنا حاول كثير من الناس أن يقوموا بتلك التوهيمات من أنفسهم خارج النطاق الجامعي، وبعيدا عن عباءة المنهج فخرجوا بصور مازالت مشوهة وغير قادرة على أن تمد العلم بشيء معقول لتجديده ودفعه والانطلاق به.
هذه الأبيات كانت تقول :
علم العليم وعقل العاقل اختلفا ** من ذا الذي منهما أحرز الشرفا
فالعلم قال أنا أحرزت غايته ** والعقل قال أنا الرحمن بي عرفا
فأفصح العلم إفصاحا وقال له ** بأينا الله في فرقانه اتصفا
فبان للعقل أن العلم سيده ** فقبل العقل رأس العلم وانصرفا
إذن الرغبة قديمة عند الناس في أن تستسهل طريق العقل فهو لا يكلفهم عندئذ شيئا خاصة وأنه ليس في خدمة العلم ولا تحت عباءة المنهج. أما العلم فيحتاج إلى الاحتراق به، وإلى إعمال العقل أيضا فيه.
وتحت دعوى تقديم العقل على العلم ضل كثير من فئات البشر، آتاني واحد منهم وقال : إنني استعمل عقلي ولا حاجة لي بالعلوم التي تدرسونها فمن المعلوم لكل أحد أن الله قد حرم الزنا والفاحشة، وحرم الخمر والخنزير، وأمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نبيع دنيانا إذا خالفت آخرتنا، ولابد علينا أن نجاهد في سبيله، وألا نخاف في الله لومة لائم؛ ولذلك فسوف آمر بالمعروف وأنه عن المنكر، وأتسلط على الناس في انحرافهم بالقوة، فالمؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف، وكون معه عصابة من العقلاء في أمثال عقله وترتيبه الذي يرونه منطقيا، فإذا قاموا بالفساد والإفساد والتخريب يتوهمون أن ذلك جهادا في سبيل لله وتحقيق لمراده ورضاه.
وضلال هؤلاء إنما هو باستعمال ما أسموه عقلا وتركهم للعلم والمنهج واتباعهم لتلك التوهيمات ولكن هذه المرة مجالها الشرع الشريف والنصوص الربانية. 
وخرج علينا آخر يدعو بصريح العبارة إلى نبذ العلم وأهله وإلى إعمال العقل وأنه بذلك يكون قد أرشد الناس إلى الصراط المستقيم، وكل يوم يخرج علينا برأي جديد يدل على أنه يتبع هذا المنهج في شيخوخته حتى إنني فكرت مرات أنه قد أصيب بتصلب الشرايين أو بمرض الزهايمر الذي كان يسميه العرب قديما [الخرف]؛ ولأنه يدعو إلى شهوة من الشهوات وإلى تقليل التكليف، فإن سباحة الإنسان في توهيماته شهوة تصل بصاحبها إلى حد الإدمان، وعدم الاحتراق بالعلم وطلبه على وجه شهوة لما فيه من تقليل للتكليف وتكثير للتخريف.
ولذلك نرى بعض الناس يعجب بهذا [الخرف] لكنه لا يستمر في إعجابه مدة طويلة، بل إنه يغير رأيه سريعا، ولا يمثل له هذا الخرف شعورا للأعماق، بل هي فكرة تأتي وتروح، يقول ربنا سبحانه وتعالى فيها : (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ) [الرعد :17]. فهذا هو الفرق بين طريق التوهيمات إذا أريد بها هدم العلم، وبين المنهج إذا أريد به التمتع بالعلم لعبادة الله وعمارة الأرض وتزكيه النفس.
ونحن ندعو الشباب إلى العقلية العلمية، وإلى كيفية بناءها ونحذرهم من العقلية الخرافية وتداعياتها، وننبهم إلى هذا النمط القديم الجديد الذي يبرز كل حين فيحدث جلبة وضوضاء من أجل أن يلفت لنفسه الأنظار، وأن يحقق اشتياقه الذي ضل عنه أولا كهذه الشخصيات التي نراها عند بعض الأدباء عندما يصورون هذا الصنف من البشر.
ومن خصائص هذه التوهيمات أنها لا تبقى على حال وأن أصحابها يتطورون تطورا جذريا في أفكارهم وينحرفون انحرافات شديدة في مسارهم إلى أن يلاقوا الله رب العالمين في عداد المغضوب عليهم أو في عداد الضالين، قال تعالى : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) [الأنعام :153]. إنه تصوير دقيق للبلاء الذي حل علينا فاللهم أنزل على قلوبنا الصبر بعدما أنزلت هذا البلاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *